المستقبل –
يشهد الإتحاد الأوروبي نشاطاً متصاعداً على صعيد مؤسساته التقريرية، لاسيما قمة رؤسائه، ولجنته العليا، ومجالس وزرائه في المالية والخارجية. فمنذ وضوح مخاطر الأزمة المالية الدولية على البورصات الأوروبية واقتصادياتها، تحركت آلة الدبلوماسية الجماعية الأوروبية في اتجاه الانخراط في المجهود الدولي من أجل صياغة الحلول الممكنة للتخلص من شرنقة الأوضاع المالية الدولية الآيلة إلى الانهيار، تارة بوضع خطط قارية مشتركة لدعم البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية، وطوراً بالمشاركة في الاجتهاد الجماعي لإعادة هيكلة النظام النقدي والمالي الدولي. ومن الواضح أنه بقدر ما استطاع الأوروبيون الوصول إلى أرضية مشتركة لتجنيب مزيد من الخسائر والإفلاس لمالية واقتصاديات دولهم السبع والعشرين، بالقدر نفسه غدا عصياً عليهم التوافق مع نظرائهم الأميركيين حول سبُل الإمساك بمصادر الأزمة المالية الدولية، والعمل جماعياً من أجل ترشيد خسائرها، بأفق تجاوزها بالكامل. ومن المفارقة، أن الاختلاف بين الطرفين يبدو جوهرياً وليس تبايناً بشأن الجزئيات والتفاصيل، إذ بينما يدعو الأوروبيون (فرنسا وألمانيا تحديدا) إلى إعادة صياغة فلسفة النظام النقدي والمالي الدولي في ضوء التطورات التي يشهدها العالم منذ سنين، وأساساً في مستهل الألفية الجديدة، يشدد الأميركيون على أن ليس المطلوب مَسَّ قواعد النظام المالي الدولي، ولكن دعم مؤسساته (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتعمير) بما يلزم من اعتمادات نقدية وضمانات مصرفية، لإعادة التوازن إلى نشاطه. والواقع أن التصورين يبدوان متباعدين، حتى لا نقول متناقضين، إذ ثمة فرق مفصلي بين إعادة النظر في القواعد الناظِمة للتعامل النقدي الدولي، وبين الإبقاء عليها كما هي، مع ضخم السيولة والضمانات المصرفية لإعادة الثقة إلى نشاطاتها المالية والاقتصادية والتجارية. ففي هذا السياق، كثَّف الأوروبيون من لقاءاتهم، تحدوهم في ذلك إنجاز جملة من الترتيبات. فمن جهة، يسعون إلى تمتين وتعميق الاستراتيجيات الخاصة بالنهوض باقتصادياتهم، وهو ما شكل جوهر جدول أعمال قمة بروكسيل ليومي 19 و20 مارس/ آذار 2009 . ويجهدون، من جهة أخرى، من أجل توحيد مواقفهم استعداداً لقمة العشرين المزمع تنظيمها في لندن يوم الثاني من أبريل/نيسان المقبل ْ2009.
يبدو الأوروبيون أكثر انسجاماً في مواقفهم حيال سبل معالجة الأزمة المالية في أوطان اتحادهم. ففي إطار تنفيذ برنامج النهوض باقتصادياتهم، المُعدِّ منذ كانون الثاني 2008 من قبل اللجنة الأوروبية، اتفقت الدول الأعضاء على توسيع النفقات العمومية، وتقليص الضريبة على القيمة المضافة، مع الاستثمار في البنيات التحتية الرقمية الأنترنيت، والطاقة، وترشيد انعكاسات الأزمة المالية، وقد سبق رصد خمسة مليارات يورو لهذا الغرض، ناهيك عن الإعتمادات فائقة الأهمية التي سبق للدول الأعضاء في الإتحاد ضخها عند امتداد الأزمة المالية الدولية إلى مؤسساتها الوطنية، وإن كانت تقديرات تقارير صندوق النقد الدولي ترجح أن يكون وقع الأزمة على الاقتصاديات الأوروبية معتدلاً، مقارنة مع غيرها من اقتصاديات العالم الولايات المتحدة الأميركية أساساً.ومن جانب آخر، وجهت كل من ألمانيا وفرنسا رسالة مفتوحة إلى اجتماع وزراء الخارجية لدول الإتحاد ليوم 16 آذار 2009، تحثهم على توضيح وتعضيد المقاربة الأوروبية لمعالجة الأزمة المالية الدولية، استعداداً لقمة لندن المقبلة 02 أبريل/ نسيان 2009، مع الإشارة إلى أن نظراءهم في وزارات المالية أعلنوا في اجتماعهم الأخير 10 مارس / آذار 2009 عن الزيادة في دعم الإتحاد الأوروبي لصندوق النقد الدولي بمبلغ إجمالي قُدِّر بنصف تريليون دولار، وهم مستعدون لإضافة ما بين 75 و100 مليار دولار.
تُحيل القمم الأوروبية والتباينات في مقاربات الأزمة المالية العالمية على ملاحظتين أساسيتين. تتعلق الأولى بالأفق غير الواضح لمآلات الوضع المالي الدولي، والبدائل الممكنة لحله.في حين تخص الثانية طبيعة انقسام الرأي الغربي حُيال طبيعة أزمة منظومته، التي يجسد الوجه المالي أحد أبرز تعبيراتها. فعلى الرغم من استنهاض الدول الغربية لكل قواها، وتعبئة طاقاتها وإمكانياتها، لم تصل، حتى الآن، إلى ما يساعد على استرجاع الثقة في النظام النقدي العالمي، على الأقل في الزمن القريب والمتوسط، فكل التقديرات تؤكد على استمرار الصعوبات واستفحالها، بل تدلِّل كافة المؤشرات على ديمومة تأكل مناعة المؤسسات المالية والمصرفية الغربية، واتساع دائرة انعكاسها على المجتمعات. ومن زاوية أخرى، يعطي التباين في مقاربة الأزمة المالية الدولية الدليل على قدرة الغرب، والرأسمالية تحديدا، على إعادة تجديد إنتاج ذاتها. فما يبدو للبعض اختلافا أوربياً ـ أميركياً حول فهم الأزمة والتفكير في تجاوزها، لا يعدو أن يكون تبايناً في الاجتهاد داخل المنظومة الواحدة والموحدة، أي الرأسمالية بحسبها نظاماً للقيم، ومنهجاًً في العمل. وقد أثبتت تجارب التاريخ كيف استطاعت الرأسمالية الخروج من شرنقة تطورها أكثر من مرة، خلافاً لمنظومات إيديولوجية مغايرة لها الاشتراكية مثلا، وبذلك يصدق عليها عنوان كتاب المرحوم "فؤاد مرسي"، الصادر منذ سنوات ضمن سلسلة عالم المعرفة في الكويت "الرأسمالية تجدد ذاتها". لذلك، لا نرى في الاختلاف الأوروبي الأميركي تجاه الأزمة المالية الدولية تبايناً في جوهر النظام، بقدر ما هو تنوع في اجتهادات المعالجة من داخل روح المنظومة نفسها، أي الرأسمالية.
() استاذ العلوم السياسية، ومدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية، مراكش ـ المغرب



















