حققت قمة مجموعة العشرين التي انعقدت يوم امس في لندن انجازات على درجة كبيرة من الاهمية، مثل تخصيص تريليون دولار للنهوض بالاقتصاد العالمي، من بينها 250 مليارا لدعم التجارة العالمية خلال العامين المقبلين، بهدف تنشيطها لانعاش الدورة الاقتصادية وتحفيزها، وتعزيز نظم وآليات الرقابة على القطاع المالي، اي اصلاح هذا القطاع بطريقة تقوم على المساءلة والمحاسبة.
السؤال المطروح هو كيفية قيام البنك الدولي بجمع المبلغ المطلوب، اي تريليون دولار، لانقاذ الاقتصاد العالمي في ظل الانهيارات المالية التي نشاهدها، حاليا، ثم اتخاذ القرارات الصحيحة لتوظيفه، وبما يضمن نتائج مثمرة.
من المؤكد ان الانظار تتجه الى دول مثل الصين واليابان والمملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى، للمساهمة في توفير المبالغ المطلوبة جنبا الى جنب مع الدول الغربية الغنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وكندا وبريطانيا والمانيا واليابان.
المملكة العربية السعودية التي كانت الدولة العربية الوحيدة التي شاركت في القمة برئاسة عاهلها الملك عبد الله بن عبد العزيز، قالت انها لم تتعهد بتقديم اموال اضافية لصندوق النقد الدولي، لكنها ‘تدرس خيارات لدعم الصندوق’ وهذا يعني انها مستعدة للمساهمة، فهي تملك فائضا ماليا ضخما، يقدره بعض الخبراء بحوالي 300 مليار دولار، ولم تتضرر مدخراتها الحكومية بفعل الازمة المالية العالمية، لان حكومتها احجمت عن استثمارها في صناديق ومحافظ مالية غربية على غرار الدول الخليجية الأخرى.
فدعوة المملكة العربية السعودية للمشاركة في هذا الاجتماع الذي يمثل نادياً للدول الغنية جاءت من اجل حثها على زيادة مساهماتها المالية في الصندوق، لانها تمثل اقوى اقتصاد في المنطقة العربية، واكبر مصدر للنفط في العالم.
من الصعب اعطاء احكام سريعة على النتائج المتوقعة لقمة الدول العشرين بالنسبة الى انقاذ الاقتصاد العالمي من عثراته، ولكن اجواء التفاؤل التي سادت الاسواق المالية والبورصات العالمية، وانعكست على شكل ارتفاعات مضطردة للأسهم ربما تعطي مؤشراً مهماً في هذا الصدد. فقد قفزت اسهم بورصة فرانكفورت اكثر من ستة في المئة ولندن حوالي خمسة في المئة، بينما ارتفع مؤشر اسهم داو جونز في نيويورك بحوالي ثلاثة ونصف في المئة، كما ارتفعت اسعار النفط بحوالي اربعة دولارات للبرميل.
وهكذا يمكن القول بأن قمة العشرين ركزت على انقاذ الاغنياء واصحاب رؤوس الاموال، مع توفير بعض الضوابط لعدم تكرار ما حدث من انهيارات مؤخراً، ولكنها أهملت الفقراء، وهم الأغلبية الساحقة من بين سكان العالم.
صحيح ان الولايات المتحدة، مثلما اعلن الرئيس باراك اوباما، قررت مضاعفة المساعدات الغذائية للدول الفقيرة الى مليار دولار، ولكن هذا الرقم يبدو متواضعاً اذا ما وضعنا في حسابنا ان بعض المليارديرات خسر اكثر من عشرين مليار دولار بسبب انهيار الاسواق المالية العالمية. وهناك من يقدر خسائر دول الخليج العربي وحدها بأكثر من تريليوني ونصف تريليون دولار في الاشهر الخمسة الماضية فقط.
الاصلاحات المالية التي تتطلع اليها الاغلبية الساحقة من سكان عالمنا هي تلك التي تضمن توزيعاً عادلاً للثروة وتخلق الوظائف وتوفر الخدمات الاساسية لابناء الدول الفقيرة، فهذه الدول هي التي تدفع ثمن الانهيارات في النظام الرأسمالي، دون ان تحصل الا على القليل من التعويضات.
صحيح ان رصد ربع تريليون دولار لتحريك التجارة العالمية سيفيد الدول النامية من حيث فتح المجال مجدداً امام صادراتها بشكل أوسع، ولكن الفائدة الاكبر ستكون للدول الغربية التي ستظل تتحكم بالاقتصاد العالمي، وبما يخدم مصالحها ويحافظ على ثرواتها.




















