نصير الأسعد
إذاً، حسَم رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة أمر ترشّحه الى الانتخابات النيابية عن أحد مقعدَي صيدا بجانب الوزيرة بهية الحريري، وأعلن ترشّحه رسمياً أمس من مجلس النواب.
إن لهذا الترشيح معاني ودلالات عميقة جداً.
"عيار ثقيل" وشجاعة
لا شك أن ثمة معنى أول هو أن "تيار المستقبل" و14 آذار إنما يتقدّمان الى الانتخابات في 7 حزيران المقبل بإسمَين من "العيار الثقيل" يليقان بتمثيل عاصمة الجنوب اللبناني.
والمعنى الثاني هو "الشجاعة". أي أن قرار الرئيس السنيورة الترشّح يمثّل رداً شجاعاً ـ قيميّاً ووطنياً ـ على محاولات تهويل وترهيب متواصلة من فريق 8 آذار.
التهويل والترهيب
لم تخفِ محاولات التهويل والترهيب لحظةً واحدة خوف فريق 8 آذار من الهزيمة الانتخابية في صيدا. لكنها ـ مع ذلك ـ وصلَت الى حد إعتبار أن ترشّح السنيورة ذو مفاعيل تفجيرية على المدينة، وأن خوض "المستقبل" و14 آذار الانتخابات بلائحة مقفلة تهديدٌ للسلم الأهلي فيها.. وكل ذلك بهدف تكريس ثنائية تمثيل "عفا عليها الزمن". والمفارقات في هذا المجال كبيرة جداً: كيف يكون الوفاق قائماً مع "تيار المستقبل" إذا "ترك" المقعد الثاني شاغراً وكيف تصبح المعركة "وطنية" إذا أكمل "المستقبل" لائحته وأقفلها؟ كيف يكون الوفاق مع "تيار المستقبل" ضمانةً لما سمّي "القرار الوطني" للمدينة ويصبح ثمّة خطرٌ على "القرار الوطني" المزعوم إذا جرت معركة إنتخابية ديمقراطية؟ كيف ومن خلال الحملة على "التيار" يظهرُ الطرف الآخر ليس فقط حقده على "المستقبل" وعلى رموزه وعلى الرئيس السنيورة بل يُظهر إصراره على إبقاء قرار المدينة خارجها تحت مسمّى "المقاومة"؟ كيف.. وقد كان للمدينة في أحداث أيار الماضي موقفٌ ضد استخدام السلاح في الداخل؟ وكيف يشارك 8 آذار في حكومة واحدة مع السنيورة في السرايا ويصبح عدواً في انتخابات صيدا؟.
أستُخدمت في حملات التهويل والترهيب عناوين سياسية عدة تُضاف الى ما سبق ذكره. حذّر ممثلو 8 آذار من انفجار "بين" المخيمات الفلسطينية وصيدا إذا ترشّح السنيورة.. وإذا فازت لائحة السنيورة ـ الحريري في 7 حزيران. وهدّد البعض من هذا الفريق بأن ترشّح السنيورة يعني سقوط "إتفاق الدوحة" لجهة التوافق في الدائرة الثانية في العاصمة بيروت!. أي استُخدمت كل وسائل القصف.. اللاأخلاقية واللاديمقراطية واللاوطنية. فلا "تيار المستقبل" ولا الرئيس السنيورة تراجعا عن حقّ دستوري ديموقراطي.
السنيورة بجانب بهية الحريري: الدولة هنا
وإلى المعنيَين السابقَين: الترشح بـ"عيار ثقيل" والشجاعة في مواجهة التهويل والترهيب، ثمة معنى ثالث يتّصل بالأبعاد السياسية لوجود الرئيس السنيورة في خضمّ المعركة الانتخابية في صيدا.
بـ"نزوله" الى "الساحة"، وعلى أهمية البرامج للتيارات والشخصيات، لا يحتاجُ السنيورة الى "بطاقة تعريف" به وببرنامجه. فعنوانه يسبقه. إنه "الدولة" و"رجل الدولة"، و"الصامد بإسم الدولة" والمدافع عن سيادة الدولة. وهو تحت راية الدولة ومشروعها يتمسّك بالمؤسسات وبالخيارات الوطنية للمؤسسات وبالسياق الدستوري الديموقراطي الطبيعي وبمعالجة كل ما يهمّ اللبنانيين في المجالات كافة.
بإختصار، إذا كانت لوائح 14 آذار في معظم الدوائر الانتخابية تحمل برنامج قيام الدولة، فإن اللائحة في صيدا تجسّد الدولة "صوتاً وصورةً"، وهنا أهميتها الرئيسة.
"بوابة الجنوب" تفتح طريق الدولة
وأن تحضر "الدولة" في انتخابات صيدا، أي في بوابة الجنوب، فلذلك دلالةٌ "أكثر من رمزية". ليس فقط من زواية أن التصويت الصيداوي للائحة السنيورة ـ بهية الحريري هو في واقع الأمر تصويتٌ للدولة، بل من زاوية أن "بوابة الجنوب" تحمي الجنوب "بـ" الدولة. وفيما يحاول الطرف "السائد" في الجنوب أن يستفتي أهل الجنوب بشأن بقاء الحال على ما هو عليه، من المهم جداً أن يكون لصيدا بوابة الجنوب إستفتاء آخر. بنتيجة هذا الاستفتاء، وهي نتيجةٌ "محسومة" لن تتصادم بوابة الجنوب مع الجنوب، بل ستكون في موقع من يفتح للجنوب بوابة العبور الى الدولة. فليس ديموقراطياً ولا طبيعياً أن يُستفتى أهل الجنوب على أمر معيّن ـ في ظروف ضاغطة و"قاهرة" ـ وأن يخرق "المُستفتي" صيدا في الوقت نفسه.
إذاً، ثلاثة معانٍ كبرى لترشح الرئيس السنيورة بجانب بهية الحريري، لا يقلّ أي منها أهمية عن الآخر.
بيدَ أن أمراً "حساساً" جداً، هو ربما "فوق" كل المعاني الآنفة، يستحقّ التنويه.
ليست معركة مذهبية
على إعتبار أنها المرة الأولى منذ العام 1972، أي منذ 37 عاماً، التي تعود صيدا دائرة إنتخابية "مستقلّة" أي قائمة بذاتها بعد أن كانت ضمن دائرة إنتخابية أوسع خلال أربع دورات متتالية، كان يمكن للمعركة الانتخابية في "بوابة الجنوب" أن تنزلق في واحد من إتجاهين خطرين.
الأول، أن تتخذ المعركة طابع "الحزبيات العائلية" إذا جاز التعبير، أي أن يحصل "تصغيرٌ" لمعاني الاستحقاق الإنتخابي في إطار مجمل العملية السياسية الديمقراطية في البلد.
والثاني، أن تُضغط المعركة الإنتخابية بـ"نفَس مذهبي"، أي أن تبدو في سياق "إحتفال" بالاستقلال عن محيط مذهبي آخر، أو أن توضع المدينةُ على سكة مذهبية معيّنة، كان يمكن أن يفاقمها النظر الى فريق بعينه في صيدا على أنه "إختراق" لقوة مذهبية معيّنة للبيئة المذهبية الغالبة في عاصمة الجنوب.
.. معركةٌ سياسية وطنية بإمتياز
من هنا، فإن قرار "تيار المستقبل" خوض الانتخابات بلائحة مقفلة من الرئيس السنيورة والوزيرة الحريري، إنما هو قرارٌ بتجنّب المنزلقَين، باتجاه معركة إنتخابية سياسية وطنية عنوانها الدولة، بحيث تساهمُ نتائج الانتخابات في ترجيح خيار الدولة ومعادلة الدولة.
وعليه، ووفقاً لكل المعاني الآنفة، لا مبالغة في القول إن معركة الانتخابات في صيدا هي معركة كل لبنان، أو إن المعارك الإنتخابية في كل لبنان ينبغي أن تكون على صورتها ومثالها. وأيُّ خطر تواجهه صيدا والعملية الإنتخابيّة سيتحمّل 8 آذار مسؤوليتّه.




















