عبدالله اسكندر
استقبل الاتراك المواقف التي اعلنها الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما في بلدهم بحفاوة وتأييد كبيرين. الرسميون شددوا على وحدة المواقف والمصالح، والصحافة اشادت بنجومية الضيف وقدرته على مخاطبة الجمهور التركي.
هذا الشعور التركي بالفخر ازاء هذه العلاقة المتجددة مع الولايات المتحدة، بعد انتكاسة وصول الاسلاميين الى الحكم ومناهضتهم استخدام بلدهم في غزو العراق، تتخطى الاطار الثنائي الى تطابق في تحليل المعطيات الحالية في المنطقة وكيفية التعامل معها. وذلك استنادا الى النظرة السياسية الاميركية الجديدة وتطلعاتها والى القدرة التركية على استجابة هذه التطلعات.
اوباما جاء الى انقرة، عاصمة اتاتورك والعلمانية، والى اسطنبول، عاصمة تلاقي الحضارات والاديان، من قمتين استثنائيتين في اوروبا، قمة العشرين الاقتصادية وقمة حلف شمال الاطلسي. لقد جاء مدركا عمق المشكلات التي تواجه بلاده عملياً، وليس فقط صورتها التي وصلت الى الحضيض لدى شعوب العالم بفعل سياسة سلفه جورج بوش. فكما في قمة العشرين حيث اضطرت الولايات المتحدة الى تقديم تنازلات لشركائها في اجراءات مواجهة ازمتها المالية، كذلك اضطرت في قمة الناتو ان تأخذ في الاعتبار تطلعات الشركاء ومواقفهم.
وتركيا في هذا المجال تشكل النموذج الأبرز بالنسبة الى ادارة اوباما، سواء لقدراتها الذاتية وموقعها الجيو استراتيجي، في التجاوب مع المقاربة الاميركية الجديدة. لقد نجح حزب العدالة والتنمية ان يلائم بين جذوره الاسلامية والنظام العلماني، وأيضاً في تجاوز ازمة مالية واقتصادية هزت تركيا في السنوات السابقة، ليسجل معدلات نمو مرتفعة قبل ان تعصف بالاقتصاد التركي، كغيره، الأزمة الأخيرة. أي انه نجح في التوفيق بين النموذج الاسلامي للحكم وبين متطلبات الديموقراطية والإدارة الاقتصادية الحكيمة. لكن تركيا تتفوق على دول اسلامية اخرى حققت النجاح نفسه، مثل اندونيسيا التي رُشحت مراراً لتكون الدولة الاسلامية الاولى التي يخاطب اوباما منها المسلمين.
تتفوق تركيا على غيرها في حوار المصالح، وليس فقط في حوار الاديان. فهي بلد كامل العضوية في "الناتو"، لتكون البلد الاسلامي الوحيد الذي ارسل قوات الى افغانستان. كما لها قوات في جنوب لبنان في اطار "يونيفيل"، تنفيذا لقرار دولي. وكادت ان ترسل قوات او مراقبين الى غزة، في اطار المساعي لحل مشكلة الحصار والمعابر.
وإلى هذا الاستعداد العسكري، قامت بدور الوسيط في مفاوضات سورية – اسرائيلية غير مباشرة، وهي مستعدة لمعاودة هذه المفاوضات. وقامت بدور مهم خلال العدوان الاسرائيلي على غزة. كما انها لاعب كبير في العراق، سواء بالارتباط مع القضية الكردية او بحكم الجوار وترابط المصالح. الى ذلك، عززت انقرة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول الخليج، خصوصا السعودية، بحيث باتت محطة اساسية وشريكا اقتصاديا مهما.
الى هذا الدور الاطلسي والعربي، تطل تركيا على قوس الأزمات التي تهم الولايات المتحدة، في القوقاز بشقيه الاقتصادي والسياسي وفي ايران حيث هاجس البرنامج النووي يقلق انقرة بمقدار ما يقلق واشنطن. وقبل كل ذلك تشكل البوابة الشرقية لأوروبا التي تدخل إليها التنوع الحضاري وتصالح الأديان.
وبذلك، تحوز تركيا على كل مواصفات الشريك الكامل للولايات المتحدة، ولذلك اختارها اوباما ليعلن منها مبادئ سياسته. لقد جمعت، في نظامها وادارتها وعلاقاتها الاقليمية التصالحية والاقتصادية وتركيبتها التاريخية المتعددة، كل ما يقول اوباما انها أهداف لسياسته ومبادئ يعمل من أجلها.




















