الحياة – 08/04/09//
يعيد التوقف عند تفاعلات الأزمة السياسية في باكستان بين الحكومة والمعارضة، وفي الكويت بين مجلس الأمة (البرلمان) والحكومة، معطوفاً عليهما توقيع أكثر من 140 أكاديميا وباحثا حول العالم بينهم 96 أميركيا (من أبرزهم فرانسيس فوكوياما) رسالة مفتوحة تدعو الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى التمسك بضرورة نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط… يعيد التوقف عند هذه الأحداث وغيرها الجدل مجددا بشأن أسئلة الديموقراطية، لا سيما في منطقتنا.
والحال أنه أمام موجة ما يسمى بـ»الإعلام الجديد» من إنترنت وخدمات على الهاتف المتحرك (الموبايل) ومنتديات إلكترونية ومدونات إلكترونية (بلوغز)، وبرامج تفاعلية ووسائط إعلامية تختلف عن الإعلام التقليدي من صحف ومجلات وراديو وتلفزة، تزداد وسائل تعبير الأفراد عن أفكارهم وحاجاتهم ومواقفهم من شتى الموضوعات والمسائل، الأمر الذي قد يعني أن النسق السياسي القائم لم يعد قادرا على تمثيل وتجسيد التعددية الفكرية والسياسية في المجتمع عبر صناديق الانتخاب وحدها.
وحتى استطلاعات الرأي لم تعد وسيلة كافية وحدها لمعرفة حقيقة تلك التنوعات التي يمور بها المجتمع، بالنظر، على وجه الخصوص لا الحصر، إلى عامل «الظرفية» التي يؤثر كثيرا في نتائجها ومضمونها في غالب الأحيان. فإجراء استطلاعات رأي أو انتخابات في ظل أزمة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية قد يفضي إلى نتائج ربما لا تكون هي ذات النتائج لو جرت تلك الاستطلاعات أو الانتخابات في ظروف من الاستقرار السياسي النسبي، أو النمو الاقتصادي أو الهدوء الأمني. ومن هنا نفهم رفض حركات أو أحزاب في الحكم في غير منطقة وعلى رأسها منطقتنا العربية، إجراء انتخابات مبكرة أو استفتاءات في ظل ظروف تبدو غير مواتية لأهل الحكم.
الانتخابات الحرة والنزيهة هي من أكثر الوسائل والآليات التي تعبر عن أي تجربة ديموقراطية في العالم، وهي من أفضل النفائس والحلول التي ابتكرها العقل البشري للتخطيط لحاضره ومستقبله، غير أنه يتعين تحديث هذه الوسيلة عبر مجموعة من الضوابط التي تبقي على مضمونها الحقيقي، ودورها الحداثي، بدلا من أن تتحول إلى إطار شكلي فارغ القيمة أو أداة لإعادة إنتاج «السلطوية» وتجميل الأنماط غير الحداثية في حياة الناس.
إن غياب القيم الديموقراطية في المجتمع، ونضوب مؤسسات حديثة تحمي الخيار الديموقراطي في المجتمع، وتقوده وتمنع تجاوز القانون والدستور، وتمنع أن تكون الانتخابات باباً لتفتيت النسيج الوطني، وتهميش رابطة المواطنة وإعاقة التنمية وكبت الحريات… هي عوامل تجعل قيام تحوّل ديموقراطي أو تجربة ديموقراطية راسخة تصون قيم التقدم أمرا ضعيف المنال، أو محكوما بالهشاشة والظرفية العابرة.
وارتباط العملية الانتخابية بقوانين انتخابية سيئة أحيانا، وارتباطها بآليات معقدة تتحكم فيها الآلة الإعلامية أو المتطلبات المالية للعملية الانتخابية، أو الأخذ في الاعتبار محدودية سلطة من انتخبهم الشعب نوابا له أمام كلام الفنيين والخبراء الاقتصاديين في تركيبة السلطة في طابعها البيروقراطي الذي يقوم على تسلسل إداري طويل يتطلب وقتا وأرقاما وإحصاءات، وكذا الأخذ في الاعتبار موازين القوى الداخلية والقبول الدولي وردود أفعاله… كلها عوامل تجعل سلطة السياسي محدودة نسبيا، حتى لو حظي بمشروعية انتخابية. أمر آخر وهو أن طول مدة التخويل الانتخابي الممنوح للفائزين في الانتخابات (برلمانية، رئاسية…) يفتح المجال واسعا لمناقشة مدى التزام هؤلاء بوعودهم وبرامجهم الانتخابية طيلة تلك المدة، ومقدرة الناخبين والناس على تقييم أدائهم أو أخذ القرار بعدم التصويت لهم ثانية، رغم أن أخذ هذا القرار بعد الانتظار اربع سنوات أو خمس يعدّ أمرا بائسا!
كذلك لا يجوز أن تحترم الديموقراطية فقط من هم أكثر عددا أو من صوّتوا بـ»أعداد» كبيرة لجهة معيّنة، إذ إن هذا المنطق يحرم الأقلية من حقوقها في أن تكون محترمة في سياق النظام العام، حتى لو خسرت في الانتخابات. في كثير من البلدان، ومنها دول العالم الثالث، يبيح الفائزون في الانتخابات لأنفسهم حق مصادرة الكثير من الحريات الشخصية والخاصة، والتضييق على الحريات العامة، أو حشر جماعة أو أقلية أو حزب مناوئ في الزاوية، وتصفية الحسابات معه؛ وذلك لضمور البرامج الناضجة اقتصاديا واجتماعيا، والتي من المفترض أن تكون المعيار الذي يحدد الفائز من الخاسر.
وكما أن «الديموقراطية التوافقية» أُنتِجت لمعالجة إشكالات المجتمعات المتنوعة لغويا ودينيا وعرقيا…، التي لا تجدي معها ديموقراطية الأغلبية، وكما استقرت التجربة الديموقراطية العريقة في الولايات المتحدة أن يمثل ولاية رود أيلاند التي يسكنها نحو مليون شخص عضوان في مجلس الشيوخ، هما العدد ذاته الذي يمثّل ولاية كاليفورنيا التي يزيد سكانها على ثلاثين مليونا، وذلك في خروج على قانون العدد، واستلهام روح العملية الديموقراطية التي تضع في حسبانها تمثيل الأقل حظا بشكل عادل، دون حصر تلك العدالة في مسألة المساواة العددية… نقول كما تنطوي هذه الأمثلة على أهمية واضحة، يجدر أمام هذا الفهم لروح التأسيس الديموقراطي، أن يفكّر الدستوريون وأهل القانون وعلماء السياسة والباحثون في الحيلولة دون ما سمّاه المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه بظاهرة «تقويض الديموقراطية لنفسها»!.
* كاتب أردني.




















