المستقبل –
نحو20 مليون ناخب جزائري سيقبلون على صناديق الاقتراع الرئاسية في التاسع من الشهر الحالي، تحت رقابة مئة من الاتحاد الافريقي ونحو 80 شخصية من الجامعة العربية و8 من منظمة المؤتمر الاسلامي و6 من الأمم المتحدة، ويشارك فيها خمسة مترشحين الى جانب رئيس الجمهورية الحالي. والمترشحون هم: محمد سعيد رئيس "حزب العدالة والحرية" المنبثق من التيار الاسلامي، وجهيد يونسي رئيس "حركة الاصلاح الوطني" الذي اقصى القيادي السابق عبدالله جاب الله من زعامة الحركة، ولويزة حنون رئيسة "حزب العمال" وموسى تواتي مرشح "الجبهة الوطنية الجزائرية" وهي سليلة جبهة التحرير الوطني العتيدة، وعلي فوزي رباعين عن حزب "عهد 54" أحد المرشحين في الرئاسيات التنافسية الأخيرة عام 2004. أما الرئيس عبد العزيز بوتفليقة البالغ 72 عاماً صاحب الباع الطويل في نظام الحكم الجزائري وأحد الأعمدة للسياسة الجزائرية منذ الاستقلال فإنه يخوض هذه الانتخابات معتمداً أساساً على ارتفاع نسبة المشاركة عكس الانتخابات البرلمانية عام 2007 التي لم تتعد 30% في أقلام التصويت، ذلك لهدفين رئيسيين. أولاً: محاولة الحصول على ثقة الجماهير لاستكمال مشروعه السلمي والاقتصادي على الصعيد الداخلي. ثانياً: للتأكيد مرة ثانية أمام العواصم الأجنبية الغربية بأنه يحظى بتأييد شعبي عريض، بعدما بدت ثمة مخاوف حينما لجأ الى تعديل الدستور في تشرين الثاني المنصرم كطريقة التفافية بتشبثه بالسلطة أو سد أبواب الديموقراطية بالتداول على قيادة الدولة. كما ان الرئيس بوتفليقة سيخوض الحلبة التنافسية وفي رصيده جملة من المكتسبات الوطنية، ولعل الجانب الأمني هو المحور الأساسي في نجاح عهدته الأولى والثانية. بدءاً بمشروع "الوئام الوطني" ومروراً بإرساء دعامة المصالحة الوطنية من خلال "ميثاق السلم والمصالحة" مع الأفراد أو الذين ارتكبوا تجاوزات فادحة، دون التغاضي عن ابعاد الشخصيات الرفيعة التي تورطت في جر البلاد الى منعطفات خطيرة.
وفي هذا الصدد، اذا كان التعويل على المشاركة المرتفعة للرئيس الحالي يأخذ اهتماماً بالغاً بغاية العودة الى قصر المدارية لتجديد عهدة ثالثة، فلا مناص من الذكر بأن الانتخابات يفترض أن في مناخات تنافسية عادية، خلافاً لما شهدته الدورة الرئاسية الأخيرة مع المرشح الرئاسي رئيس الحكومة السابق علي بن فليس بمساهمته الحادة في أوساط كافة الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة. كما ان هذا الاستحقاق سيضع المرشح الرئاسي في موضع مريح جراء عزوف أبرز الوجوه السياسية من بينهم مولود حمدوش وأحمد بن بيتور وكلاهما شغل رئاسة الحكومة سابقاً، كذلك عدم تجاوب الرئيس الأسبق اليمين زروال مع بعض الأصوات المنادية لترشيحه خصوصاً عندما صعّد بانتقاداته الحادة للرئيس الحالي معترضاً على تعديل الدستور لتولي العهدة الثالثة. وهناك حزبا التحالف الرئاسي المتشكل من التجمع الوطني الديمقراطي وحركة السلم اللذين اعتكفا عن الترشيح ويمثلان أكبر الأحزاب البرلمانية، إضافة الى كل مقاطعة أحزاب القبائل "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية". سيعطي المراهنة على فوز المرشحين غير قابلة للتوقع، على رغم أن رئيسة حزب العمال التروتسكية دعت الى المشاركة والتصويت بقوة كفرصة سانحة لتوجيه الانتقادات الموضوعية ضد السياسة الحاكمة، بهدف النهوض عن تقاعسهما في التجاوب مع المطالب الشعبية في القطاعات التي لم تعط لها الأولوية، أو ضد سياستها المتناقضة في بعض الحالات، وفي مقدمتها مشروع المصالحة الوطنية التي طالما ظاهر حرص الرئيس الجزائري على تحقيقه وتنفيذه نزولاً عند الرغبات الملحة على مواصلة هذا المسار. ويبدو أن الالتزام بهذا المشروع ولو أنه ما زال مفتوحاً لأجل غير معلوم لا يلقى في الواقع انشغالاً جدياً في المرحلة الراهنة بسبب تحسن الظروف الأمنية واستعادة الدولة هيبتها من ناحية، وكذلك استرجاع سمعة حضورها خارجياً من ناحية اخرى. أما النداءات المطالبة باستكمال مسيرة المصالحة الصادرة تحديداً من المنابر القيادية "الجبهة الاسلامية للانقاذ" المحظورة عبر الترشيح للمناصب الرئاسية بمقتضى أنها تتمتع بحقوق مدنية كاملة، فهذا المطلب لدى الرئيس بوتفليقة يعتبر بعيد المنال لأمرين جوهريين: أولاً، ان كوادر المؤسسة العسكرية التي تصادمت مع عناصر "الانقاذيين" في الحقبة المرة استطاعت أن تعزز علاقاتها مع رئاسة الجمهورية وباتت تشكل الركيزة الداعمة لها في قراراتها وأطروحاتها. ثانياً: نظرة الرئيس الحاكم المتحفظة بشأن الاسلاميين في مدى قدرتهم في استيعاب الديموقراطية مع مختلف الاتجاهات، خصوصاً ان الدعوة الرئاسية الى المصالحة بين العلمانيين والاسلاميين هي اختبار حقيقي لمعرفة درجة استعداد الطرفين لقبول الآخر وجدارة الجانبين في ازالة الحساسيات ومداواة النزعات الايديولوجية كأسلوب أمثل للحفاظ على هوية الدولة ووحدتها الوطنية.
() كتبت هذه المقالة قبل ايام قليلة من اجراء الانتخابات الرئاسية



















