وسام سعادة
واكبَ "التنظيم الطليعيّ في 8 آذار" عملية الإفراج عن الضبّاط الأربعة. اتخذ ذلك شكل احتضان وقائيّ مشهديّ لهم، ومن باب التحضّر لمفاجآت منتظرة من محكمة تواصل أعمالها من دون متّهمين معلنين، وتمتلك أرشيفاً ضخماً يعتقد الكثيرون أنّه كاف لتظهير خارطة الحقيقة.
الهاجس الأساسيّ لـ"التنظيم الطليعيّ في 8 آذار" بعد 29 نيسان هو رفع درجة الإستعداد الأمنيّ للمرحلة الجديدة من عمل المحكمة، مرحلة ما بعد إثبات المحكمة لتفلّتها من كلّ "تسييس"، مرحلة ما بعد إستعادة قضية المحكمة لعامل الإثارة، مرحلة ما بعد الإجراءات التمهيديّة، مرحلة الدخول في صلب الموضوع، مرحلة يطرح فيها السؤال المركزيّ نفسه أكثر من أيّ وقت مضى: من القاتل؟ إن لم يكن هؤلاء فمن؟
قبل 29 نيسان كان نزاع فريقي 8 و14 آذار محدوداً وعلى هامش المحكمة. فريق 14 آذار الحالم بتسفير الضبّاط الأربعة إلى لاهاي، ويكاد يسلّم بأنّه الحدّ الأقصى لطموحاته التعقّبية، وفريق 8 آذار المطالب دائماً بـ"ضمانات" لا مجال من دونها لسفر الضبّاط الأربعة، وهذه الضمانات يمكن أن نلخّصها، تورية، في مطالبة قوى 8 آذار بـ"الثلث الضامن" وبـ"حق النقض" من داخل المحكمة الدولية.
في 29 نيسان أفلتت المحكمة الدولية من "الثلث الضامن". تجاوزت المحكمة اللعبة السياسية التي حاكها فريقا 8 و14 آذار على هامشها. لم تعد القضية تسفير أفراد في مقابل ضمانة لأنظمة وحركات. صارت القضية على مستوى الجرائم المتسلسلة التي حصلت. صارت فعلاً قضية العصر.
وبهذا المعنى فإن 29 نيسان هو يوم تاريخيّ، ويوم مشهود في سجل ثورة الأرز، ليس فقط لأنّه برهن بأن المحكمة غير مسيّسة، بل لأنّه دخل بالمحكمة وبالبلاد إلى مرحلة جديدة: فمن جهة، ليس مضموناً الوصول بشكل مطلق إلى تحديد القاتل ومعاقبته، لكن من جهة ثانية لم يعد لأيّ كان ضمانة من أيّ نوع بأنّه لن توجّه إليه تهمة القتل العمد وبأنّه لن يلاحق. صار الرهان هو كلّ الرهان: إمّا أن تمتلىء سجون لاهاي بـ"مجرمي الباب الأوّل" أو لا تمتلىء.
الإحتضان الوقائيّ للمفرج عنهم يأتي كإستشعار بهذا الخطر، وكإستعداد لخوض هذا الرهان، وبأجندة أمنية بالدرجة الأولى.
وهذه الأجندة قد تعيد الإعتبار لبعض من رموز "النظام الأمنيّ المتعاون" مع نظام الوصاية، إلا أنّها لا تعمل على إحياء هذا النظام الأمنيّ، لأنّها تمثّل ما هو أخطر.
فـ"النظام الأمنيّ المتعاون" أمّن تبعية النظام الديموقراطيّ الطائفيّ اللبنانيّ للنظام البعثيّ في سوريا، إلا أنّه لم يلغ الطبيعة الديموقراطية الطائفية لهذا النظام، وإن ألحق بها تشوّهات بنيوية.
أمّا أهل الإحتضان الوقائيّ لرموز هذا النظام الأمنيّ البائد فيريدون إلغاء النظام الديموقراطيّ الطائفيّ اللبنانيّ وليس فقط تشويهه.
كانت أحلام الجنرالات الأربعة.. أو الخمسة، مشابهة كثيرة لأحلام كثير من الجنرالات في العالم العربي وفي العالم الثالث. سلطة أمنية تقتطع مغانم إقتصادية في معرض مكافحتها لـ"الفساد". سلطة أمنية تفرض رقابة إعتباطية على ما يدخل إلى لبنان من منشورات وعلى ما تقوم به ملكة جمال لبنان في الخارج. سلطة أمنية تسعد كثيراً إذا ما هنأها الأمن السوريّ على تعاونها في قمع الإستقلاليين اللبنانيين، وإذا ما هنأها الأمن الأميركيّ على تعاونها في مكافحة الإرهاب.
أمّا أحلام الحاضنين الوقائيين لهؤلاء الجنرالات فهي الأخطر، والتاريخ لم يوفّر مصطلحاً للتعبير عن هذه الأحلام غير مصطلح "الفاشية". أهل الإحتضان الوقائيّ يريدون إقامة نظام شعبويّ في لبنان بسمات فاشية.
الفاشية ليست نعتاً. إنّها لازمة أي حركة معادية للتقاليد السياسية المحافظة والليبرالية في آن، ومعادية للنظام البرلماني ومبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء، ومعادية لحرية الإعلام، ومعادية لإقتصاد السوق الحرّ والمبادرة الفردية. والفاشية تكتمل قلباً وقالباً في أي حركة تعتمد أساساً على تشكيلات أمنية وفرق شبه نظامية وتزاول عبادة القائد الفرد وتبجيله، في مقابل إنكار كل فردية أخرى، وعلى قاعدة تمجيد "الأمّة".
وفي يوم إطلاق الضبّاط الأربعة، في 29 نيسان، ظهر واضحاً جلياً، أن هناك سمات فاشية يعبّر عنها "التنظيم الطليعيّ في 8 آذار" ولا نقول كل قوى 8 آذار. الأمر يفترض بالتالي أن لا تكون معركة 14 آذار مع "نظام أمنيّ" لن يعود، وإنّما مع هذه "السمات الفاشية" بالتحديد، خاصة وأنّ لهذه السمات شهوات إنقلابية عديدة، قبل وفي أثناء وفي أعقاب العملية الإنتخابية.




















