ترجمة وتقديم: فوزي محيدلي
صيف هذا العام وبالتحديد في السابع عشر من تموز أعلن القيّم على مكتبة الكونغرس الأميركية جيمس بيلينغتون تعيين الشاعرة كاي ريان أميرة الشعراء السادسة عشرة لأميركا. وفي تبريره للتعيين قال الدكتور بيلينغتون: »كاي ريان صوت مميز وأصيل داخل التشكيلة الغنية للشعر الأميركي المعاصر. انها تكتب قصائد قصيرة سهلة الفهم نسبياً في مواضيع صعبة. داخل اشعارها المتراصة التركيب ثمة العديد من المفاجآت سواء على صعيد القافية، الايقاع، أو الذكاء الماكر المؤشر صوب حكمة لمّاحة«.
تتميز هذه الشاعرة المولودة عام 1945 في كاليفورنيا بأنها تميل الى الوحدة. وتعتبر ريان غير منتمية الى العالم المؤسساتي للشعر الأميركي المعاصر. فهي لا تنحدر من برنامج كتابي لأساليب الابداع في معهدها أو الى عالم فنون نيويورك. انها نتاج عالم كاليفورنيا بالكامل لكن مع اسقاط العالم البهرجي لهوليوود أو »لوادي السليكون«. ترعرعت ريان في صحراء موجاين وفي بلدات ومدن الطبقة العاملة لوادي سان جواكين. كونها ابنة حفار آبار فقد نمت رايان داخل الأراضي الحضرية الشديدة الحرارة لكاليفورنيا الداخلية ـ صحراء جرى ريّها لتتحول الى أراض زراعية. ومن هنا فإن بعضاً من خاصية الأرض القاسية المشغول عليها تجلت في جماليات شعرها.
لريان عدد من الدواوين الشعرية, أشهرها »مراقبة طائر الفلامنغو« (1944)، »نهر نياغارا« (2005، »صخور الفيل« (1966) »قل عماه« (2000).
أشياء عدة تجذب القارئ الى شعر ريان ثمة ذكاء حاد، وحكمة أكيدة. الا انها كما اميلي ديكنسون وجدت طريقاً لاستكشاف الأفكار دون خسارة النبضة الموسيقية أو الكثافة التخيلية الضرورية للشعر الليريكي. والى ذلك هي لا تستعمل أسلوبها المعقد الى حد ما كهدف بحد ذاته بل كوسيلة لحالة تبصّر ما.
لا تتعدى قصيدتها العشرين بيتاً ـ وغالباً هي أقل من ذلك بكثير ـ وأبياتها تتميز بقصرها ولا تنطوي على أكثر من ستة مقاطع صوتية، وتبدو هذه الأبيات غنية بالموسيقى والمعنى. ورغم كل هذا لا يظهر ثمة تعمد للاشتغال على القصيدة بشكل واضح. وتبدو التفاصيل لمّاحة ومضيئة بدلاً من أن تكون متعمدة. واذا كانت ريان لا تبدد بيتاً هباء بيد أنها غالباً ما تترك الأشياء المهمة غير مباحة. انها تدعو القارئ للتعاون مع القصيدة. تذكر قصيدة ريان بالقوة الموحية للشعر ـ كيف تظهر تلك القوة وتكافئ ذكاء القارئ، مخيلته وعواطفه.
تجاه السيلان الذي يتميز به الكثير من الشعر الحديث يجعل ذاك الشعر المصفى والمضغوط من ريان سيدة القصيدة القصيرة.
[ خمّ تأوي إليه
تدور الدجاجات
وتدور
كاسفةً بهاء
النهار.
الشمس مشرقة
لكن الدجاجات
تسد درب أشعتها. أجل،
السماء أظلمتْ
من الدجاج،
وتشكو من شدة احتشادها
تدور الدجاجات
ومن ثم تدور
ثانية. تلك هي
الدجاجات التي تطلقينها
واحدة إثر الأخرى ـ
من سلالات
مختلفة وصغيرة الحجم.
الآن عادت
الى خمها
لتأوي،
واحدة مع شبيهاتها
وبالسرعة ذاتها.
[ الصبر
حين التأمل فيه
ينطوي الصبر على أكثر
من معنى،
سيما مع شرائط
الأنهر
وسلاسل الجبال
البعيدة
ومع مهمات يصار الى
تعهدها وانجازها
بتلذذ متواضع
من قبل السكان الأصليين
في لباسهم المحلي.
من كان بمقدوره
التخمين
ان الانتظار
أمر يمكن احتماله ـ
مثابة مكان بكامل
غلال حصاده.
أو الإعتقاد انه
مع امتلاء الوقت واكتماله
لا يمكن
تمييز
حبات ألماس الصبر
عن تلك الأصلية
بلمعانها
وصلابتها.
[ يوم عاطل
ليست كل أيام
الخياط العفريت
جيدة.
في بعض الأيام
يكشف القماش
المسروق
عن الغاية من صنعه:
صديرية جميلة
أو سترة بلا أكمام
لبحار من الجن.
في ايام أُخر
يرى الخياط
سترة في ذهنه
وينطلق
للعثور على القماش.
لكن في ايام غير هذه وتلك
لا تظهر له
الفكرة أو حتى
أختها القماشة؛
هي
الأيام الصعبة
للخياط الجني.
[ سلحفاة
من ذا الذي يودّ أن يكون سلحفاة ويستطيع ذلك؟
قرص صلب بالكاد يتحرك، بل خوذة ذات أربعة مجاذيف،
من الصعوبة عليها تدبر الفرص المتاحة
للتجذيف صوب الأعشاب التي تقتات منها.
مسارها غير متسق، أشبه
بجر صندوقة ملآنة الى جهات مختلفة، كما ويهزم
أيُّ منحدر آمالَها المتواضعة. وحين تود أن تكون عملية
غالباً ما تدور محورياً في سعيها باتجاه شيء يؤكل،
ومع توفر كل الظروف الجيدة تطوف حول الخندق الذي يقلب في
النهاية ترسها العظمي الى صحن للأكل. تعيش السلحفاة
تحت مستوى خط الخط، دون أن يخطر ببالها ولو مرة واحدة
أن يانصيباً ما سيحول يوماً ما حملها الفخاري الى أجنحة.
أقصى طيشها الصبر،
رياضة الأشياء التي جرى تهذيبها.
[ هولندية الطابع
الكثير من أشياء الحياة
عمليات حسابية من رقم واحد
هولندية الطابع
حيث
فيالق من
الناس الأشداء
يربضون
خلف نظام
سدود
متشقّقة
متعلقين كل
بالإبهام،
تطاول أرادافهم
ذات السراويل المنتفخة
آفاق الشمس الشمالية
مع إيابهم
الى المدنية
يتجوّل أقطاب
التوليب ذوو حمالات السراويل السوداء
في الانحاء.
عدم المجازفة بشيء
لا شيء على شاكلة كتلة ما
لا يمكن رزمه.
إذن، في حال عدم المجازفة بشيء
لا يعود الأمر مجرد حكي،
إنه الرهان الكبير
ألا تتعجب
من اعتقاد الناس
ان منحدرات أنهر
الزمان والمكان لا تقدم ولا تؤخر؟
كيف أنهم جميعاً يسحبون
مياه الخزانات الكبيرة
الى الوحل والسمندل
طالبين في المقابل الشكر؟
[ الخواء
لا يمكن كبس الخواء أو ضغطه
ولا يمكن له
مقاومة سوء المعاملة، ليس هناك
من أيل، ظبي،
أو فرس صغيرة من الغرب مضيافة الى ما لا نهاية.
هذا ينطبق ايضاً على العقل:
الذي، هو ايضاً، بمقدوره التعود
[ عاصفة بَرَدْ
مثل عاصفة
من الدبابير
تتراكم الكواكب البيضاء
وهي تدور في أفلاكها العالية
مرة وثانية
طبقات وطبقات،
لتتكثف، أكثر فأكثر
قبل اصطدامها بقشرة أرضنا. اضطراب
عظيم من قبضات ولكمات صغيرة
ضارية، يصعب
تصديقها
ما أن ترحل مبتعدة
[ اشياء متوائمة
من ذا الذي، من ذاك الذي لم يرَ سوى أجنحة
بمقدوره الاستدلال على
العيدان النحيلة من بين الأشياء التي
تستخدمها الطيور على اليابسة،
يستقرئ إنحناءتها صوب الوراء،
أو الطريقة الخرقاء التي تستعمل للوقوف؟
ومن ذا الذي، ذاك الدارس
لآثار الطير على الرمال،
يمكنه التخمين أن تلك الخربشات
قد تتحمل عصف الريح؟
الكثير من الأشياء المتوائمة تبدو متنافرة.
من ذا الذي حلِم ولو مرة
ان غداف اليأس الأسود العريض الجانحين
قد يترك السماء ويمسي مقوس الساقين على الأرض
ليتحول غراباً عادياً؟
[ هذه الحياة
إنها ورطة، هذه الحياة.
حتى بعد تحويلها الى وشل لا نجود سوى بقطرات،
فإنها تحمل معها كل أنواع الجسيمات
التي تتسبب بنزاع جلل:
أن تكون منمنماً معناه
أن تُبتلع من قبل حوت منمنم. زينون الرواقي
عرف ذلك القانون الذي نعرفه: مهما
نقص تعداد جنس ما، لا يمكن القضاء سوى
على نصفه في أحسن الأحوال؛
من ثم يأتي دور التقسيم الذي ينتهي لما تبقى الى قسمين ـ
مقاربة ايقاف تطاير الشرائط، الحث المتواتر والمحمر لوجه المدرب.
"المستقبل"




















