القاهرة ـ حمدي رزق
المستقبل –
عيد العمال الذي يحتفل به العالم في الأول من أيار ـ مايو من كل عام، شهد هذا العام، في القاهرة، زخما أشدّ من السنوات الماضية، لعلّ يذكر من عاصروا سنوات حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر(1954 1970)، يذكرون الصخب المخطَّط والمهندَس، بفتح الدال طبعا الذي كان يصحب الاحتفال بهذا العيد في ذلك الزمن..حين كانت مكتسبات العمال بعد طازجة وساخنة بنار فرن الاشتراكية الكبير، الذي حاول أن يصهر كل الطبقات في إناء واحد واليوم يؤمن النظام في مصر بفلسفة السوق الحرة وآليات الهيكلة الاقتصادية الحديثة، التي تقصي العمال عن دورهم الذي كان. وبرغم هذا فإن ثمة وفاقا ملحوظا بين السلطة في عصر الرئيس حسني مبارك وبين أصحاب البدلة الزرقاء، يتمثل في حد فاصل يضعه مبارك بين سياسات التحرير الاقتصادي وبين أي مساس بحقوق هؤلاء العمال المادية أو الأدبية، الأمر الذي جعل العمال المصريين هذا العام هم العمال الوحيدون في العالم الذين يتقاضون علاوة اجتماعية في عيدهم، فيما تعاني دول كبرى وصغرى وطأة الأزمة المالية العالمية والانكماش الاقتصادي، وكأن النظام تعمد أن يبعث برسالة واضحة للعمال مفادها أنه لن يتخلى عنهم.. هي حلقة من سياسة ثابتة ممتدة في عصر مبارك لها قصة طويلة، وقبلها قصص متعددة بين السلطة وأصحاب البدلة الزرقاء، وفي هذه القصص كان البطل الحاضر الغائب طرفا ثالثا، ليس السلطة ولا العمال.. وإنما المثقف المصري!
[ "أنا العامل"
من اليوم بمقدور بعضنا أن يتذكر شريطا سينمائيا للعملاق الراحل يوسف وهبي كان يحمل عنوان "أنا العامل"؟ الشريط عرض في صالات السينما المصرية في العام 1943، في أوج سخط العمال في مصر على الأسعار المرتفعة وعلى تسريح بعض المصانع لهم في زمن الحرب العالمية الثانية (1939 1945)، وكان الشريط يمجد العامل وينهى الطبقة الأرستقراطية عن السخرية منه.
ربما يبدو الشريط لمن يشاهده اليوم ساذجا للغاية من الناحية الفنية، لكنه لمن يتأمل الفترة التي أنتج فيها ويربطها بحركة المجتمع، دليل على تحول مهم في تلك المرحلة في العلاقة الثلاثية بين السلطة والبدلة الزرقاء والمثقف المصري.
ففي مطلع الأربعينات كانت مصر تغلي بتيارات سياسية شتى، وكانت في الوقت ذاته لا تزال تحت الاحتلال البريطاني (1882 1956)، وتحت الأرض كانت ثمة عشرات من التنظيمات السرية المعادية للنظام برمته: القصر والاحتلال على السواء..وكانت تستعد للانقضاض على هذه الثنائية.
من بين أبرز التنظيمات في ذلك الزمان كانت التنظيمات اليسارية بتياراتها المتباينة، والعمال من دون شكّ كانوا يشكلون قطاعا حاسما من هذه التنظيمات.. والأمر طبيعي، فهذه التنظيمات كانت تدعو إلى تذويب الفوارق بين الطبقات، والأهم أنها كانت تدعو إلى تغليب (البروليتاريا) طبقة العمال وإعطائها الحكم..غير أن غالبية أعضاء هذه التنظيمات لم يكونوا سوى نخبة المثقفين المصريين .
في كتابه "الآن أتكلم" والذي يمثل شقا من مذكراته الشخصية، حكى "خالد محيي الدين" رئيس حزب التجمع اليساري المصري السابق والعضو المؤسس مع جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار الذي أطاح الملك والملكية في مصر في العام 1952، كيف أنه في تنظيم (حدتو) أكبر تنظيمات الشيوعيين المصريين في الأربعينات، كان رئيس خالد في التنظيم وخالد في ذلك التوقيت ضابط بالجيش المصري ميكانيكيا، وكان عبد الناصر يداعب محيي الدين ويسخر منه ويقول له: " بقى تبقى ضابط في الجيش ورئيسك ميكانيكي؟"..والحق أن محيي الدين كان مثله آلاف، ضباط ومهندسون وأطباء وأساتذة جامعة وصحافيون ومحامون وشعراء وروائيون وقاصون، جميعهم أعضاء في هذه التنظيمات السرية اليسارية، وهم إما زملاء كتفا بكتف للعمال فيها أو أحيانا يقعون تحت قيادتهم المباشرة من دون أن يجدوا في هذا أدنى غضاضة.
كان المشهد الثقافي العمالي في الأربعينات ومطلع الخمسينات قبل ثورة تموز يوليو 1952، يتألف من كتلة غاضبة من الملك ومن الأرستقراطية التي لا تمثل سوى نصف بالمئة من المجتمع وتملك 90 بالمئة من ثروته، وهذه الكتلة تتعرض لظلم مباشر سواء في التعليم أو في الوظائف أو الضمانات والحقوق الاجتماعية. فالمثقف كان بعيدا إلى حد كبير عن مقدرات البلاد والعامل كان مجرد ترس بالماكينة، فلم تكن ثمة معاشات أو رواتب ثابتة للعمال ولا تحديد لمدة يوم العمل وكان الفصل التعسفي سائدا..من هنا جاءت أشرطة سينمائية مثل "أنا العامل" ليمررها النظام امتصاصا لغضب العمال والمثقفين، ومن ناحية ثانية لتقنع العمال بأنهم ليسوا مظلومين وأن الفقر "راحة للبال" وأن الأغنياء الذين يظلمونهم أشرار والمجتمع يكرههم ولا ينامون الليل من فرط الثراء وهواجس الثروة!
ويمكن من كل هذا أن نقول إن الأربعينات كانت ذروة النشاط السياسي للعمال في مصر، متحالفين بصورة مباشرة مع المثقفين ..كان أصحاب البدلة الزرقاء غاضبين مظلومين ولم يكن أمامهم من سبيل سوى الثورة، وما كان أحد ليعبر عنهم سوى اليسار لاسيما أن العالم كله وليس مصر وحدها كان يمور بالثورات الشيوعية بعد انتصار الاتحاد السوفييتي على "هتلر" والمحور في الحرب العالمية الثانية، ليصبح المعسكر الاشتراكي أملاً كبيرا لتحالف منطقي بين العمال والمثقفين في الأربعينات ومطلع الخمسينات.
[ الأيدي الناعمة
من مجتمع يجلّ النبلاء والأسرة المالكة من سلالة محمد علي، إلى مجتمع جمهوري اشتراكي يبجل اليد العاملة ويسخر من تلك الناعمة، هكذا صارت الحال مع قيام ثورة تموز يوليو 1952، وفيما كان ثمة شريط في الأربعينات يحمل عنوان "أنا العامل" يبث الصبر في نفوس العمال وينصرهم على الأرستقراطية نصرا وهميا، ظهر في الخمسينات شريط مأخوذ عن رواية توفيق الحكيم "الأيدي الناعمة"، في كل هذا السياق تبدو الأشرطة السينمائية تعبيرات سياسية موجهة ليس إلا..وهنا يبدو الفارق واضحا:السخرية من نبلاء الأسرة المالكة، تمجيد العمل اليدوي، لعن العصر البائد، أو فترة الملكية كما سمتها الثورة.
غير أن هذه الرسائل لم تصل إلى العمال ولا انطلت على المثقفين، ومثلما فشلت في عصر الملك لم تنجح في عصر عبد الناصر.
كان المثقفون المصريون ومعظم العمال حين قامت الثورة يستعدون لحركات ثورية مماثلة، وينخرطون حتى الذقون في تنظيمات يسارية سرية، هدفها الوحيد الوصول للحكم. لذا فحين قامت الثورة ناصبوها العداء، بخاصة أن المعسكر الاشتراكي الدولي لم يرحب بهذه الثورة، كونها انقلابا عسكريا، ما يرفضه الماركسيون بشدة.
لابد من توقف قصير هنا لنقول ان العمال لم يكن من بينهم في ذلك العصر تيارات سياسية أخرى سوى الاشتراكية، وقليل منهم فقط كان مع الحزب الشعبي الرئيسي (الوفد)، ولم يكن واحد منهم يؤيد القصر أو الاحتلال، كما لم يكن منهم منضمون لجماعة الأخوان المسلمين ولا إلى غيرها من الحركات المتطرفة دينيا أو قوميا في ذلك الزمان إلا نادرا.
لذا، كان العداء بين الناصرية من جهة والعمال والمثقفين من جهة ثانية مستحكما في الخمسينات، ما أفضى إلى إرسال آلاف منهم إلى أبشع معتقلات مصر في ذلك الزمن (معتقل الواحات ..جنوب غرب القاهرة في الصحراء الغربية على مسير عشر ساعات تقريبا من العاصمة).
بعد ذلك حدث تحول خطير جدا.. تأكد تحالف مصر مع الاتحاد السوفييتي في مطلع الستينات، وتحولت سياسات عبد الناصر إلى التأميم والاشتراكية المباشرة، وخرج العمال والمثقفون اليساريون من المعتقل تدريجيا حتى خلا منهم في العام 1964، وهنا حصلت المفارقة التاريخية..وتسمى أحيانا في أدبيات اليسار بـ"ثمن الصلح" بين السلطة وبين العمال والمثقفين. اشترط النظام على الخارجين من المعتقل الموافقة على حلّ كل تنظيمات العمال والمثقفين اليسارية. وفي هدير التجربة الناصرية الصاخب، ومع انتشار مكاسب العمال في تلك الفترة منها على الأقل أنهم صارت لهم مع الفلاحين نصف مقاعد مجلس الشعب، وأنهم صار منهم أعضاء في مجالس إدارات المؤسسات والمصانع والشركات التي يعملون بها، أما المثقفون فإنهم وجدوا مقاعدهم الجديدة تنتظرهم ليقودوا من خلالها المؤسسات الثقافية والإعلامية والصحافية وهكذا تمت الصفقة، وعلى خلفية أغاني عبد الحليم وصلاح جاهين التي تمجد العامل والبدلة الزرقاء، وافق (الرفاق) من العمال والمثقفين على الانخراط في النظام وحل تنظيماتهم.
[ موت الأب
بوفاة عبد الناصر في العام 1970، انتهت مرحلة كاملة من تاريخ مصر ومعها مرحلة كاملة أيضا من تاريخ البدلة الزرقاء التي عاشت أوج مجدها وذروة مكتسباتها في عصره، وكان العمال ومعهم المثقفون على موعد مع صدام مع السلطة لم يكن في الحسبان.
الرئيس الراحل السادات كان على عكس سلفه عبد الناصر، غير مؤمن بالاشتراكية، بل توجس خيفة منها ومن رفاق عبد الناصر وأطاحهم جميعا في 15 أيار مايو فيما سمي رسميا آنذاك بثورة التصحيح. وبعد انتهاء الحرب مع إسرائيل وفك الاشتباك التام بين القوات (1975)، تفرغ السادات لمشروع سياسي اقتصادي خاص به، من شقين: تقويض الاشتراكية التي كانت، وتبني الانفتاح الاقتصادي بدلا منها، مع سلام مصري إسرائيلي ينهي حال الحرب تماما.
قبلها بسنوات ومنذ السنوات الأولى لرئاسته كان السادات كسياسي قديم ومحنك، يدرك خطورة العلاقة بين أصحاب البدلة الزرقاء وبين أصحاب الأٌقلام من النخبة المثقفة، من هنا سعى إلى إخراج الإخوان المسلمين من المعتقلات وفتح الباب أيضا لجماعات إسلام سياسي إضافية وبعضها مسلح ليحارب بها اليسار، وانشغل اليسار بهذه المعركة الجديدة فيما انشغل العمال بالانقلاب الذي حصل في حياتهم، اذ وجدوا أنفسهم مجددا في صراع مع السلطة، وبعد أن كانوا أخذوا يرتقون السلم الاجتماعي إلى الطبقة الوسطى وإلى مقاعد الوزارة في بعض الأحيان وجدوا أنفسهم يكادون يخرجون من اللعبة بأسرها.
وكأن مكتسبات العمال في الزمن الناصري أشبه بحياة ميسورة مضمونة في كنف الأب، انتهت بموته، ما جعل نغمة التحسر على التنظيمات اليسارية التي حلها العمال والمثقفون بأيديهم في الستينات، تطغى على غيرها من النغمات في أوساط اليسار في السبعينات.
[ علاقة جديدة
كان التوتر بين السادات وبين القيادات العمالية والمثقفين قد وصل لذروته، حين اغتال الإرهابيون السادات في حادث المنصة الشهير في تشرين أول أكتوبر 1981، وبعد أن تولى الرئيس مبارك الرئاسة خلفا للسادات تغيرت الصورة تدريجيا واستمرت في التغير من مستويات عدة.
أولا..كان حزب التجمع استقر تماما في فترة الرئيس مبارك، وأخذ هذا الحزب بالذات حرية مطلقة تقريبا في الحركة، وصار معبرا عن المثقفين .
ثانيا.. تمت طمأنة العمال كثيرا من خلال مكتسبات مالية ومعنوية حرص النظام طوال الوقت على تمريرها إليهم ومن دون إبطاء ولا تذبذب.. ووجد العمال لأنفسهم دورا جديدا في الثمانينات، مع تبني الرئيس لمشروع (صنع في مصر) وشعار(الصحوة الكبرى)، وهكذا وجد العمال دورهم الجديد، وعادت نغمة تمجيد العامل المصري بالتوازي مع تأكيد مكتسبات فترة عبد الناصر ـ لتكسب العلاقة بين النظام والعمال توازنا كانت فقدته في الفترة الساداتية.
غير أن تغيرا خطيرا طرأ على الأوساط العمالية في مصر بين السبعينات والثمانينات، فالسادات أفلح في فصل طرفي التحالف عن أحدهما الآخر.. المثقفين اليساريين والعمال، صحيح أن الوشائج بينهما موجودة إلى اليوم لكنه لم يعد ثمة نضال مشترك أو غير مشترك.. بات المثقفون يتكلمون كثيرا عن العمال. وبات العمال يبتعدون كثيرا عن المثقفين، ما أفسح الطريق لطارئ لم يكن في الحسبان:انتشار التطرف في بعض الأوساط العمالية ودخول جماعات دينية كالأخوان وأحيانا تنظيمات إسلامية سياسية مسلحة للأوساط العمالية، وبعد أن كانت دوائر انتخابية تغص بالعمال والمصانع كحلون في جنوب القاهرة وشبرا الخيمة في شمالها، تكاد تكون مغلقة على نواب اليسار من العمال ومن المثقفين، صار للإسلام السياسي فيها وجود محسوس ونواب برلمانيون أيضا.
هذه كانت النتيجة الرئيسية في فك هذا التحالف، قطاع من العمال استجاب للإسلاميين وصارت الاشتراكية التي كافح العمال من أجلها عشرات السنين حراما في رأيهم! وقطاع آخر صار سلبيا تماما، لا ينخرط في السياسة ولا يعاقرها، ولا ينشغل إلا بلقمة العيش!
تلك معضلة نعتقد أن النظام أخذ بالالتفات إليها، وهي ـ إلى اليوم ـ لا يمكن وصفها بالظاهرة المستفحلة، لكن وجودها ملموس لا ريب فيه..وخطورتها مفهومة من دون شك، لكن المشهد اليوم صار كالآتي: عمال رفضوا الاستجابة للإضرابات في السنتين الماضيتين، وأصروا على العمل..وعنابر عمالية مصرة على ولائها للنظام..مشهد يشبه الستينات نوعا ما، غير أن البدلة الزرقاء لم تعد اشتراكية ولا الزمان صار اشتراكيا.. فقط هناك تحالف غير مكتوب بين النظام في عصر مبارك وبين العمال، على خلفية الاستمرار في العمل معا من دون شروط ولا صفقات هذه المرة، ولكن بضمانة واحدة لمسها العمال في مواقف متكررة، وهي إصرار الرئيس على إبعاد العمال عن أي أضرار من جراء الإصلاح الاقتصادي وسياسات السوق، من هنا نشأت علاقة جديدة بين السلطة وبين البدلة الزرقاء في مصر في عصر مبارك، وهي ـ وإن كان غاب عنها الطرف المثقف لكنها محكومة بعقلانية شديدة وتبدو عصية على الاختراق، والطرفان فيها يتمسك كل منهما بتعهداته مع الطرف الآخر ونحسب أن كلا منهما يفي بها تمام الوفاء، حتى لو كان هذا الوفاء يتطلب أحيانا مواقف حاسمة، من نوعية الموقف الذي اتخذه النظام ضد رجال الأعمال وأصحاب المصانع الذين بادروا إلى تسريح العمال مع نشوب الأزمة المالية العالمية في الشهور الماضية، إذ رفض النظام منح رجال الأعمال أي مساعدات أو تسهيلات إذا واصلوا تسريح العمال، برغم أن رجال الأعمال هؤلاء عاشوا سنوات يظنون أنهم الطبقة المدللة من النظام.




















