لو أنّنا «أمّة عربيّة»، أو «أمّة إسلاميّة»، ولو أن الحدود «اصطناعيّة أقامها الاستعمار لقهر إرادة الأمّة»، ولو أن «المقاومة» واجب على كلّ من فينا، فرداً كان أم شعباً، ولو أن السياسة تتمّ بـ «التكليف الشرعيّ»…، لكان «حزب الله» على أتمّ الحقّ في نزاعه الراهن مع مصر.
لكنّ الحقيقة أنّنا بلدان وسيادات وحدود وطنيّة ومصالح، وأن السياسة وقرارها لا يُصنعان بالتكليف الشرعيّ أو غير الشرعيّ.
المشكلة الأخيرة بين مصر و «حزب الله» وإيران، على رغم خصوصيّتها، ليست الأولى في هذا الباب: ففي الخمسينات، كانت ظاهرة الفدائيّين في مصر التي لعبت دورها في إشراك إسرائيل في حرب الـ1956 المعروفة بـ «العدوان الثلاثيّ»، ثمّ في أواسط الستينات، كانت العمليّات الفدائيّة القليلة التي شُنّت عبر الحدود السوريّة – الإسرائيليّة ولعبت دورها الكبير في حرب حزيران (يونيو) 1967. ولئن كانت هذه وتلك أعمالاً حكوميّة توسّلها النظامان المصريّ الناصريّ والسوريّ البعثيّ في بداياتهما، ولتمكين قبضتهما، فإن المقاومة الفلسطينيّة شكّلت التجسيد الأبرز لهذه المعاني: لاعتبار الحدود الوطنيّة عائقاً دون تحرير ومقاومة نحن جميعاً مكلّفون بهما (ولو كان التكليف يومها زمنيّاً) لأنّنا كلّنا عرب ومسلمون. ومعروف كيف أن تلك النظرية وتطبيقاتها أحرزت إخفاقات متوالية، لا سيّما في الأردن عام 1970 ولبنان عام 1975، حيث ترتّبت عليها حربان أهليّتان شهيرتان. وبدل «الأمّة» الواحدة، العربيّة أو الإسلاميّة، انتصبت في أفقنا روابط الجماعة والطائفة والعشيرة منصورة ظافرة. وبدل مقاومة العدوّ، صار كلّ لون أهليّ عدوّاً للون المجاور. وبدل الحدود الوطنيّة، غدت لكلّ جماعة حدودها التي تفصل عن الجماعة الأخرى. وهكذا دواليك…
واليوم يستأنف «حزب الله» العمل بهذه النظريّة الخرقاء مع فارقين أساسيّين: أن ما يفعله هو تجريب المجرّب، وأن إيران (ودعوات سوريّة وقطر) حلّت محلّ مصر والثورة الفلسطينيّة والاتّحاد السوفياتيّ معاً، بحيث غدا ما يجري الآن على جانب من الكاريكاتوريّة من دون استبعاد الخطورة عنه.
بيد أن ذلك لا يلغي نقطة القوّة في عناصر «الخليّة» وفي داعميها، ومؤدّاها أن أصحاب الدول والسيادات لا يقولون بفصيح العبارة إنّهم دول وسيادات وطنيّة، وإن حدودهم نهائيّة، وإن المقاومة أمر نسبيّ يصحّ فيه الخطأ والصواب، وهو قابل للمراجعة والتخلّي، وإنّهم ينوون اتّباع السياسة، لا بتكليف إيديولوجيّ ولا بتكليف شرعيّ، وإنّما بموجب الأعراف الدوليّة المتّبعة.
وهذا التكتّم في مصر، وفي «الاعتدال العربيّ» عموماً، لا يترك للممانعين سلاح اللغة وابتزازها فحسب، بل يضفي على المساجلة برمّتها طعماً كريهاً: فعلى هذا النحو يُملأ الفراغ، الناجم عن غياب لغة سياسيّة وشرعيّة عصريّة، إمّا بالشتائم المحضة، على ما نرى في الإعلام المصريّ، وإمّا بالتسعير الطائفيّ والتحريض على الشيعة، وإمّا بالشوفينيّة المستقبحة على شكل تعالٍ قوميّ فجّ وسخيف يتعامل مع الفرس وحضارتهم كأنّهم لزوم ما لا يلزم! والمسألة دوماً في مكان آخر لا يريد الممانع، ولا المعتدل، أن يمدّ يده إليه.
الحياة 18/04/09




















