أوروبا بصفتها المكان الذي تفجرت على أراضيها الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وتعتبر بريطانيا أول دولة تشهد محاولات التنظيم النقابي، وقد ظل التنظيم النقابي ممنوعاً في بريطانيا حتى عام 1814م. وحتى بعد أن سمح به القانون الإنكليزي لم يعترف رسمياً بالنقابات حتى عام 1875م.
أما المحاولات الأولى لإنشاء أول منظمة نقابية في بريطانيا فقد كانت 1831م، عندما تأسست الجمعية الوطنية لحماية العمال، وبعد ذلك في عام 1834م تأسست على يد (روبرت أوين)، النقابة الموحدة الوطنية العظمى، وعند ذلك الحين بدأت تنتشر في أوروبا فكرة إنشاء النقابات للدفاع عن مصالح العمال، ولكنها كانت تجابه بقمع الشرطة، ففي فرنسا ظل التنظيم النقابي ممنوعاً حتى 1884م.
أما في إيطاليا، فإن الإضراب عن العمل ظل ممنوعاً حتى عام 1889م، وفي ألمانيا سمح فقط للعاملين في مجال الصناعة بالانتماء النقابي تحت شروط كثيرة مختلفة، وفي الولايات المتحدة رغم السماح للنقابات بالعمل فقد ظل القانون الأمريكي لا يتعامل مع النقابات حتى نهاية القرن التاسع عشر…
وقد دعت الأممية الأولى في مؤتمر جنيف عام 1866م، العمال إلى النضال من أجل يوم عمل: من (8) ساعات عمل، (8) ساعات راحة ونوم، و(8) ساعات ثقافة وتعليم… وقد لقيت هذه الدعوى صدى واسعاً لدى عمال الولايات المتحدة في الثمانينات، وفي عام 1884م، دعت منظمة فرسان العمل الأمريكية إلى تطبيق يوم العمل من (8) ساعات بدأً من السبت الأول من أيار 1886م، الذي عمت فيه الإضرابات والمظاهرات خصوصاً في المناطق الصناعية، مما أغضب السلطات، كانت مدينة شيكاغو أكثر المناطق التي شهدت تظاهرات ضخمة مطالبين بتحديد يوم عمل من ثماني ساعات، وعلى أثر نجاح الإضراب، دعا عمال شيكاغو إلى تحديد الإضراب يومي 3/5 و4/5/ 1886م، حيث دعا لاجتماع سلمي في هاي ماركت إلا أنه تعرض لقمع السلطات الأمريكية التي فتحت النيران على العمال بحجة قيام العمال بإطلاق النار على الشرطة، مما أدى إلى مقتل أكثر من (200) عامل، واعتقلت الشرطة عدداً من القادة النقابيين، وحكمت على ثمانية منهم بالإعدام وسجنت الباقي لسنوات تراوحت بين 3 سنوات و15 سنة، والنقابيون الذين حكم عليهم بالإعدام هم: ألبرت باسون، أوجست سبايس، سمول فيلون، مايكل شواب، جورج أنجل، أدولن فيشر، لويس لنج، أوسكار نيب. وقد نفذ بهم حكم الإعدام في 11/11/1887، وكان أوجست سبايس قد أطلق قبل إعدامه كلماته المشهورة: سيأتي اليوم الذي يصبح فيه صمتنا في القبور أعلى من أصواتنا…
وبالفعل فإن أحداث أيار 1886، أصبحت في كل عام بمثابة صرخة مدوية لعمال العالم تدعوهم للوحدة من أجل الدفاع عن حقوقهم وانتزاع المكاسب لهم للعيش بكرامة إنسانية…
على أثر المجزرة التي حدثت في أيار 1886 دعت الأممية الثانية عام 1889 إلى اعتبار الأول من أيار يوماً عالمياً للعمال يرمز إلى تحركهم ونضالهم من أجل حقهم في العمل والراحة والثقافة والتعليم، وحددت الأممية الثانية الأول من أيار 1890 يوماً لبدء الاحتفال بالمناسبة ومنذ الأول من أيار عام 1890، بدأ العمال في دول أوروبا المختلفة بالاحتفال بالمناسبة ثم انتشرت الاحتفالات إلى مختلف دول العالم، حتى أصبح الأول من أيار رمزاً لوحدة العمال ويوماً يشيدون فيه بانتصاراتهم، وقد استطاع العمال في مختلف دول العالم جعل الأول من أيار عيداً رسمياً مدفوع الأجر، ما عدا الولايات المتحدة التي تعتبر عيد العمال أول يوم اثنين من أيلول من كل عام في محاولة لكي تنسي العمال المجزرة التي ارتكبتها الشرطة بحقهم قبل قرن من الزمن، والتي اضطرت عام 1893، إلى إعادة النظر فيها وإعادة محاكمة القادة النقابيين والإفراج عما تبقى منهم على قيد الحياة…
إن البحث في تاريخ نشأت الطبقة العاملة مرتبط في تكون الصناعة وتطورها، وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي، فالطبقة العاملة وحركتها النقابية ترتبط تاريخياً بالثورة الصناعية…
الطبقة العاملة العربية وحركتها النقابية في بداياتها نمت وتطورت في ظل الصناعة الحديثة والمؤسسات، وتشير الوقائع إلى أن وصول الصناعة إلى المنطقة يعود إلى عام 1820، عندما أسست أولى المصانع في مصر، وكذلك في الجزائر حيث أدخل الفرنسيون بعض الآلات الحديثة، كما أدخل البريطانيون وسائط النقل النهري المتطورة عبر شركاتهم إلى العراق…
في مصر بادر محمد علي خلال حكمه / 1804- 1848 / إلى إنشاء عدد من المصانع بعد عام 1820، وتبع ذلك فتح قناة السويس وإقامة معامل الأسلحة والألبسة ومحالج القطن، وتوسع ميناء الإسكندرية ومد خطوط الترام… وتطوير صناعة السجائر والأحذية والنسيج…، ثم كانت محاولة نامق باشا في العراق في عام 1884، عندما أنشأ معمل الألبسة العسكرية ودخول الشركات البريطانية وتوسيع الورش الصناعية ومحالج القطن في بغداد والموصل، وكذلك الحال في تونس حيث تم توسيع ميناء تونس وبيروت لتلبية احتياجات التوسع التجاري وتنامي استخراج المواد الأولية من المناجم…
والطبقة العاملة السورية كان لها تاريخها المجيد ليس باحتفالها بالأول من أيار منذ بدايات العقد الثاني من القرن الماضي فحسب، بل بنضالاتها الطبقية وتضحياتها في مقاومة الاحتلال الفرنسي لبلادنا لسوريا منذ معركة ميسلون بقيادة البطل الشهير يوسف العظمة وصولاً إلى الثورات التي عمت أرجاء الوطن من الفرات والجزيرة إلى جبال اللاذقية إلى جبال العرب وجبل الزاوية، وقد ارتبط نضالهم الوطني بنضالهم الطبقي والاجتماعي وكان أول أهدافهم ومطالبهم تشكيل النقابات والجمعيات الحرفية، فتشكلت نقابات عمال النسيج ونقابات عمال البناء والتجارة والميكانيك والدباغة والأحذية والطباعة والخياطة، وبرز في تلك الفترة أسماء العديد من المناضلين والمناضلات من النساء والعاملات اللواتي وقفن بصلابة إلى جانب إخوتهم العمال ممن لعبوا دوراً بارزاً في تشكيل وتأسيس نقاباتهم… واليوم بعد مرور ما يقارب المائة وعشرين عاماً، هل تحققت مطالب العمال (ثماني ساعات عمل- ثماني ساعات نوم – ثماني ساعات راحة)… المشكلة أصبحت عندنا في سوريا لم تعد ساعات العمل وإنما بوجود العمل أصلاً أو عدم وجوده، وبعد أن كان الأول من أيار يوم راحة وعطلة رسمية للعمال في العالم، أصبح في وقتنا الحاضر يوم للمطالبة بتوفير فرص عمل أكثر للأعداد الواسعة من العاطلين عن العمل والتي تزداد يوماً بعد يوم؟ ويحزننا كثيراً وجود ما يزيد عن (2.5) مليون عاطل عن العمل ويمثل الشباب ثلاثة أرباع العاطلين…
************




















