هل يفقد العرب دورهم في ترتيب أوضاع المنطقة؟!
مازال الوضع العربي والإقليمي يعيش حالة من التهدئة، انتظاراً لما سيسفر عنه الحراك السياسي على المستويات الدولية والإقليمية والعربية.فالسياسة الأمريكية، وان طرحت مسألة الانفتاح على الأطراف التي قاطعتها سابقا وأجرت حوارات سرية وعلنية معها، الآّ أنها مازالت قيد البحث والاختبار لبلورة إستراتيجية جديدة.
فليس سهلاً الوصول إلى حلول تؤسس لاستقرارٍما، بسبب المصاعب والتعقيدات التي خلّفتها إدارة بوش وكذلك، وكذلك الإشكالات المحلية، إضافة إلى الآثار السلبية التي سببتها الأزمة الاقتصادية العالمية. ومما يؤكد على جدية هذا التوجه اختيار شخصيات أمريكية متميّزة، كميتشل وهو لبروك وروس وسواهم من المختصّين الذين لهم دورفي معالجة الأزمات الساخنة.
ستكون هذه الإستراتيجية الأمريكية، على الأرجح، جزءاً من الإستراتيجية العالمية التي يسعى اوباما لتحقيقها على المستوى الدولي والقائمة على دبلوماسية القوة الناعمة التي يعجز الخصم عن التملّص منه. فلقد شارك في قمتين استثنائيتين: قمة العشرين الاقتصادية، وقمة حلف شمال الأطلسي.. وعقد لقاءات قمة مع العديد من الرؤساء، كان أبرزهم الرئيس الروسي والرئيس الصيني. ثمّ قفز إلى تركيّا والعراق.
فكما اضطرت الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات لشركائها في مواجهة الأزمة المالية العالمية وأخذت بالاعتبار تطلعات ومواقف الشركاء، نجد رئيسها يخاطب المسلمين ويطلب ودهم ويدع والى مصالحة مع العالم الإسلامي ويؤكد على الانسحاب من العراق والانفتاح المتأني والمتدرج على إيران، وإيجاد قواسم مشتركة للمشاكل العالقة معها ويطلب مساعدتها في أفغانستان. ولم ينس أن يعلن تمسّكه بمسألة حل الدولتين في فلسطين وفق أنا بولس، وكذلك إحياء عملية السلام بين العرب وإسرائيل. فكأنه يرد على تجاهل نتنياهو ذكرهما حين أعان سياسة حكومته الجديدة.
قد تشهد قضايا المنطقة تطوراً ملموساً وفعّالاً بدور أمريكي مختلف قد يصل إلى نتائج ايجابية رغم المصاعب الماثلة أمامه، تشارك في رسم معالمه أطراف دولية نافذة كالاتحاد الأوربي وروسيا. وربما أعطيت الأمم المتحدة ومنظمات دولية هامة أدوارا في حل أزماته، وهو هدف مطلوب في العلاقات الدولية إذ يقوم على توسيع دائرة القرار وعلى التشاور والتنسيق بدلاً من الانفراد كما كانت تفعل إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن.فالمرحلة البوشية استخفت بالشركاء والمنظمات الدولية وأصحاب الشأن حين أغرقت نفسها في احتلال العراق مثلاً. فعجزت عن تحقيق أهدافها التي تعارضت مع مصالح شعوب المنطقة، وجوبهت بالمقاومة والإعراض. وهكذا ظهر عجزها، وتبنيت محدودية النتائج السياسية لقوتها العسكرية وبالتالي فشلت في فرض سياساتها وحل مشاكل المنطقة. والآن أخذت تغيب شعارات وتوصيفات، كشعار الحرب على الإرهاب ومحور الشرّ وسواهما ليحل محلها شعار الحوار والدبلوماسية المثابرة للوصول إلى حلول مقبولة ومتوافق عليها.
* * *
إن المواقف التي عبر عنها الرئيس اوباما، منذ حملته الانتخابية وحتى جولته الأخيرة في أوربا. تدل على توجه جديد أكثر حكمة وتعقلاً، وهو مستنتج من تجارب الإدارات السابقة التي أطلقت العنان لغرور القطب الأوحد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. وهي تتلاقى أيضاً مع بعض تطلعات شعوب المنطقة والعديد من دولها، في محاولة لطي صفحة سوداء من تاريخ الولايات المتحدة الحديث نحن نرى فيها، إذا أمكن تحقيقها، منطلقاً أولياً لحل كثير من الأزمات التي نعانيها. ولكي تتحول هذه المواقف والتوجهات إلى حلول سليمة، فهي تحتاج بالدرجة الأولى إلى تحديد الأولويات، بحيث تتناول، ليس إطفاء البؤر الطافية على سطح الإحداث فحسب، بل تتحرّى معرفة الأسباب العميقة لهذه التفجّرات. فبفضل هذا التحري ينبغي المثابرة الدائمة على معالجتها ، دون أن يغرينا بعض مظاهر الاستقرار النسبي المؤقت بسبب حلول يقبل بها هذا الطرف أو ذاك. فالأمور مرهونةٌُُُ بخواتيمها.
انطلاقً من هذه الرؤية نرى أن سعي الإدارات الأمريكية وسياساتها لتوفير الاستقرار، خلال الثلث الأخير من القرن الماضي قد اعتمد على الأنظمة العربية وخاصةً المستبدة منها، وممالأة إسرائيل فجاءت الحلول التي لم تلبث أن فشلت في تحقيقه وهناك أمثلة كثيرة على ذلك إذ جرت على حساب شعوب المنطقة. ونحن نخشى هذه المرة أن يتكرر الخطأ وبالتالي يعيد التاريخ دورته من جديد ونصبح أمام أزمات أشدّ وأكثر عمقاً. لذا نرى ضرورة التبصر في المسائل الأساسية التالية، نوجزها باختصار:
1- من الهام جداً إعطاء الأولوية إلى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وبالتالي الصراع العربي- الإسرائيلي لترابطهما الموضوعي من زاوية المشروع الصهيوني التوسعي والعنصري الساعي إلى إقامة الدولة اليهودية الصافية على حساب الفلسطينيين جميعاً. وهذا الأمر يتجلى مؤخراً بوضوح، بعد مجيء يمين اليمين بزعامة نتنياهو، في رفض مسألة حل الدولتين وفق أنا بولس والمبادرة العربية لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي
2- الوقوف جدّياً عند القلق العربي تجاه التدخل الإيراني المتمادي في الشؤون العربية إذ منذ سقوط العراق ضحية الاحتلال الأمريكي له، يتنامى نفوذها هنا وهناك حتّى وصل إلى البحر المتوسط. وأخذت إيران عبر تحالفاتها في الوسط العربي، تشكل عامل تفرقة وإعاقة لتحقيق إرادة الشعوب،والحؤول دون بلورة موقف عربي موحد وحتى للوصول إلى تفاهمات عربية عربية لمعالجة القضايا المعلّقة. على غرار ماتفعله في لبنان عبر حزب الله،وسعيها لتعطيل كل المحاولات الرامية إلى توحيد الصف الفلسطيني. فالانسحاب السريع من العراق وإجراء حوار مثمر أمريكي مع سوريا يرافقه مصالحة عربية حقيقية، إضافة إلى مساندة دول الخليج المهددة من إيران، كل هذه الأمور إذا وجدت طريقها إلى الحل، تساعد على إطفاء بؤر التوتر هذه. ويمكن بالتالي حل التناقضات العربية- الإيرانية عن طريق الحوار والاحتكام إلى حسن الجوار والمصالح المشتركة المشروعة.
إن سياسة العداء مع إيران تنهك المنطقة وتبدد طاقاتها، وتحمل في طياتها مخاطر إحياء صراع تاريخي مرير بامتدادات تتجاوزالاطار العربي إلى المجتمعات الإسلامية بسبب التمحور المذهبي السني – الشيعي الذي ازداد احتقاناً في السنوات الماضية.
3- لعلّ أهم ملاحظة على الوضع العربي العام، هي غياب إستراتيجية عربية تتوافق عليها الدول العربية وتشكّل موقفاً موحداً تجاه استحقاقات المنطقة. فالقلق الشعبي العربي آتٍ من غياب سياسة تواجه خطرين جسيمين كما أشرنا في الفقرتين السابقتين وهما: التصلّب الإسرائيلي الرافض لأي حل مع العرب، والتمدد الإيراني في الجسد العربي. فالدول العربية يلفّها عجزٌ خطيرب(ممانعيها) و(معتدليها). هذا العجز عبّرت عنه القمة العربية الأخيرة في الدوحة التي لم تُوفق في تحقيق مصالحة حقيقية وتوحيد الصف العربي حول سياسة عربية تأخذ بالاعتبار المتغيرات على المستوى الدولي والإقليمي وكذلك ميزان القوى في المنطقة.
ولاشك أن إسرائيل وإيران وتركيا تلعب دوراً أساسياً لايمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلا أن تأخذه بالحسبان حين صياغة الحلول المقبلة. من هذه الزاوية تخشى الدول العربية المعتدلة أن تعطى الأولوية لإيران في معالجة مشاكلها ومطالبها، خاصةً وأن الولايات المتحدة بحاجة إلى مساعدة إيران في أفغانستان، فإذا سارت الأمور بمعزل عن الطرف العربي فسوف تتردى أوضاع المنطقة، إن عاجلاً أو آجلاً، وقد نشهد مزيداً من الصراعات والحروب، إضافة إلى تنامي التطرف والإرهاب، ولا ندري إن كنا أمام تغييراتٍ في الخريطة السياسية.
4- باستثناء لبنان، اكتوت المجتمعات العربية،بعد نكبة فلسطين، بأنظمةٍ استبداديةٍ، بصرف النظر عن طبيعتها وأصولها وخلفياتها. تستوي في ذلك الجمهوريات والإمارات والممالك. فشكلت موضوعياً عائقاً كبيراً أمام تقدمها وحل المصاعب التي واجهتها بعد التحرر من اللاستعمارفي النصف الثاني من القرن العشرين، ولعل أشد تلك الأنظمة قسوة وعنفاً ونهباً تلك التي قادها العسكر في إطار شعارات شعبوية وأساليب قمعية بوليسية ودولة شمولية.
ومن دون الدخول في تفاصيل صراعات هذه الأنظمة مع مجتمعاتها، نستطيع القول: أن شعاراتها الرنانة في التحرير والوحدة والاشتراكية وتطبيق الشريعة الإسلامية(كالسودان) لم تجد مكاناً لها على أرض الواقع. بل أمعنت تلك النظم في تكسير مجتمعاتها وتمزيق وحدتها الوطنية وممارسة الإرهاب والفساد والنهب بحقها. كما ساهمت إلى حدّ كبير في نقل أزماتها إلى جوارها فازداد الوضع بؤساً. وهكذا فقدت شرعيتها التي تآكلت بفعل إمعانها في معاداة الشعوب ومصالحها وإرادتها، وأوصلت البلاد إلى حالة من الاستعصاء، فلا هي قادرة ولا راغبة في ولوج سبل الإنقاذ الوطني وتحقيق المطلوب، ولا تسمح لشعوبها بتلمّس مخارج آمنة للمشاكل والأزمات الشاملة التي أوقعتها بها نتيجة سياساتها التدميرية خلال عقود من الزمن.باختصار: تشكّل تلك النظم عاملاً هامّاً في عدم الاستقرار، وبالتالي لابدّ أن يؤخذ بالاعتبار كسبب هام في مصاعب ومصائب المجتمع العربي.
إن الانتقال من الاستبداد إلى الحرية وسيادة القانون، هم مهمةٌ ينبغي لحظها كأحد المخارج الأساسية لحل أزمات المنطقة. فالنظام الوطني الديمقراطي هو المؤهّل لتجديد حياة الشعوب، وحلّ مشاكلها وتقديم نخبٍ وطنية مؤهّلة وقادرة على قيادة السفينة العربية إلى برا لأمان. فإذا كانت هذه المهمة"مهمة التغيير الوطني الديمقراطي" هي أساساً مهمة الشعوب العربية، فعلى المجتمع الدولي أن يساهم في تحقيقها بطريقة سلمية ومتدرجة وآمنة
والضغط على تلك الأنظمة لالتغيير سلوكها تجاه جيرانها اوتجاه المجتمع الدولي فحسب، بل لتغيير سلوكها تجاه شعوبها أيضاً . ذلك من أجل مساندة هذه الشعوب ودعم نضالاتها الديمقراطية وفقاً لمنطق العصر وللعهود والمواثيق الدولية، وشرعة حقوق الإنسان التي تحمي المواطن وتؤمّن حقّه في حياةٍ حرّةٍ وكريمة، في ظلّ الحرية والعدالة الاجتماعية.
++++++++++++++++++++




















