لم يأخذ التقرير الذي أصدرته "مجموعة الازمات الدولية" ICG حول مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في 19 شباط الفائت حقه من النقاش. أقله على المستوى اللبناني. على أن النقص في مقاربات النخب اللبنانية لمضامين التقرير التوصيفية، والتراكمية، والمقتطعة أحاديث من حزبيين ومسؤولين هنا وثمة، والمبتورة الاستنتاجات في بعض الاحيان، هذا النقص إن اشار الى شيء، وخصوصاً على مستوى مراكز الابحاث المنتشرة في مختلف المؤسسات الاكاديمية تحديداً، فإلى استمرار التعاطي مع قضية اللاجئين الفلسطينيين انطلاقاً من مسلّمات الترف الفكري، أو التفرّج العاجز، أو توسّل العمل الاستنساخي ذي المردود التمويلي، أو تكرار الشعارات المناصرة والمناوئة، أو التبشير برؤية ملحة في الامكنة التي تطلق هذا التبشير، مع الافراد والمجموعات التي لا تحتاج اصلاً الى مثله. ناهيك باحتكارية نسجتها بعض الاصوات، تردّد إما ما ينظر اليه المجتمع الدولي بإزاء هذه القضية من منطلق ضرورة الاذعان لخيارات هذا المجتمع، أو تهاجم ما يحكم ثوابت اللبنانيين مجتمعين من ضرورة تأكيد التوافق بين تأمين حياة كريمة للآجئين الفلسطينيين في لبنان حتى عودتهم بحسب قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام والاجماع اللبناني حول هذا التوافق محصّناً بالدستور، غير المرحلي حتماً. وإن هذا النقص المتعدّد التعبير، ينمّ عن غياب رؤية، واستنقاع في حقائق فرضتها وقائع تاريخية.
ومَن قال إن علينا لبنانيين وفلسطينيين الخضوع لهذه الوقائع، بدل المباشرة بإعادة صياغتها على قاعدة سليمة تحترم سيادة لبنان واستقلاله واستقراره من ناحية، كما حقوق اللاجئين الانسانية من ناحية أخرى، مع الانخراط في بناء ديبلوماسية لبنانية فاعلة تتبنى حق العودة كقضية عدالة دولية، أكثر منه تهويلاً وتحريضاً في زواريب السياسات الداخلية الضيقة. وهذا ما يبدو جلياً في ما يعلنه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في جولاته على عواصم القرار، وما يتابعه رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة منذ مبادرته، مسانداً بقرار من مجلس الوزراء وتوافق هيئة الحوار الوطني، لجهة تصويب العلاقات اللبنانية – الفلسطينية ونزع فتائل التوتير المفتعل.
في كل الاحوال، وفي عود على بدء تقرير "مجموعة الازمات الدولية"، لا بد من التوقف، وبروحية ما أسلفنا عند ثلاث نقاط تبغي التوسّع والتصويب. أولها عنوان التقرير وفرضية اللاإستقرار. وثانيها قصر رفض التوطين على مخاوف أمنية وديموغرافية. وثالثها تضخيم اقليمية السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها. وإن محاولة الاضاءة على هذه النقاط تنطلق من إجمال المنطق الذي صيغ فيه التقرير أكثر منه في اقتطاعات نصيّة والتعليق عليها.
1- "تغذية اللاإستقرار":
مقاربة تقليدية
يتبدى واضحاً من خلال عنوان التقرير "مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: تغذية اللاإستقرار"، ان المقاربة التي اعتمدت لتوصيف وتحليل المعطيات في المخيمات استندت الى سلبية وسمت نمطية التعاطي مع هذه المخيمات، على أنها بؤر تفجّر وتفجير، ينبغي التنبه الى الصواعق التي فيها. واذا كان سياق العلاقات اللبنانية – الفلسطينية دموياً، خصوصاً منذ ما بعد اتفاق القاهرة وحتى اتفاق الطائف، ساهمت في تخصيبه، عدا الاستعداءات الفلسطينية للبنانيين والعكس، محاور اقليمية ودولية، فإن من صلب الاخطاء المتبادلة اعتبار المخيمات بعد اتفاق أوسلو الذي حسم نضال الشعب الفلسطيني العسكري والسياسي من داخل فلسطين المحتلة، معسكرات مقفلة أو محاصرة على حدّ سواء. ومن الأجدى بمكان البناء على كل ما بدأ جدياً في ترميم الرؤيتين اللبنانية والفلسطينية منذ العام 2005، إذ حسمت الشرعية الفلسطينية قرارها لجهة رفض بقاء هذه المخيمات مسلحة، والحديث بقدر ما ينسحب على تلك الرسمية منها، يؤكد على لا شرعية ذاك السلاح المكنّى "فلسطينياً" خارج المخيمات. وقد أكد اللبنانيون في حوارهم الوطني على هذا الحسم. أما الاستناد الى بروز تيارات سلفية متطرفة في المخيمات، فتراه قائماً في كل لبنان، وفي كل الطوائف بل في كل العالم. من هنا أولوية تلافي منطقي الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية لتدعيم الاستقرار والاعتدال. "تغذية اللاإستقرار" عنوان أمني بامتدادات دينية واجتماعية واقتصادية، قد يكون طبع التقرير بسلبية وزاوية محددة تفتقد بعض ايجابيات ماقد نريده مستقبلاً. المخيمات الفلسطينية يقطنها قسراً لاجئون أبرياء، وليست فقط مقرّاً لخارجين عن القانون، ومتطرفين، واختراقات اجهزة. وإن أمان كما استقرار الأبرياء، حتى عودتهم الى دولتهم فلسطين، مسؤولية سيادية لبنانية.
2- "رفض التوطين":
"منطق الخوف!
من المستغرب، أقله على مستوى طرح أكاديمي، مقاربة الوجود القسري للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكما جرت العادة من منطلق "الديموغرافيا السنية" التي تخيف بقية الطوائف. وبالتالي لا بد من "رفض التوطين" خوفاً، أكان في تخوّف أو بتخويف. واذا ما كان واضعو التقرير، قد أطلوا على ذلك في الجزء الذي خصصوه لاستعراض آراء قوة لبنانية وفلسطينية من هاجس التوطين، فإن توصياتهم في هذه المسألة تلخّصت بحصر هذا الهاجس بفرضية محسومة سلباً أساساً، وتقضي بمنح هؤلاء جنسية لبنانية، وبالتالي بالسماح لهم بالتصويت من جهة، وبوهب هؤلاء بعد حصر هذا الهاجس، كامل حقوقهم الانسانية من جهة اخرى. على انه بدا على كثير من الاستغراب، عدم الماح واضعي التقرير، ولو حتى على مستوى الايماءة الى حق العودة لهؤلاء اللاجئين بما يكرس قضية رفض توطينهم كبعد عدالة دولية وانسانية، أكثر منه تهويلاً وتحريضاً بعنصرية مقيتة.
-3 تضخيم اقليمية السلاح…!
بطبيعة الحال للسلاح الفلسطيني الباقي داخل المخيمات وظيفة أمنية ما بحسب المنظّرين لبقائه. ولذاك الباقي خارج المخيمات، على ارتباطاته غير الفلسطينية، وظيفة اقليمية ما. وأياً يكن من أمر هاتين الوظيفتين، فإن إغفال التقرير لأهمية الاجماع الوطني اللبناني حول ضبط الاول وتنظيمه تحت سيادة الدولة اللبنانية كمرحلة اولى، ونزع الثاني دون أي منطق مقايضة أو مفاوضة، هذا الإغفال يطرح تساؤلات حول مدى اقتناع "مجموعة الازمات الدولية" بأن لا اشراك في السيادة من ناحية، كما ان لتحقيق هذه السيادة يجب الاستناد الى الاجماع الوطني دون الايغال التضخيمي في وظيفة اقليمية للسلاح يقتضي توسّل اسيادها بروحية ما الثمن؟
أما ما يلفت الانتباه في التوصيات المتعلقة برؤية مستقبلية لترتيبات امنية في المخيمات، فيبدو غريباً طرح التقرير ايلاء قوة فصائلية، وهذا مناقض لابسط قواعد احتكارية السلاح للشرعية. اتفاق القاهرة انتهى، وما عاد مقبولاً لبنانياً أي مقاربة اشتراكية في الأمن.
في الختام، وإن كان لا بد من التأكيد على ان التقرير يتسم بالجدية والشمولية، فإنه يجب أيضاً، وبالقدر نفسه، الاشارة الى أن بعض التقليدية وسمت معظم مقارباته لجهة التوصيف أكثر منه اطلاق حوار رؤيوي في قضية مزمنة جداً ومعقّدة في وطن شائك الاهتزازات المستمرة، وفي كل حال يبرز جلياً في السنتين الاخيرتين بداية وعي لهذه القضية تتضمنها برامج الاحزاب والتيارات السياسية، كما الكتل النيابية، الى خطابات بعض القادة وأصحاب الرؤى، ما كان يجب ان يضيف اليها التقرير تطويراً اكثر منه ترداداً. لكننا نحتاج كل محاولة. والتقرير محاولة مشكورة.
(عضو اللجنة الحكومية اللبنانية للحوار اللبناني – الفلسطيني)
"النهار"




















