يتيح تقديم عرض سريع لتطور كل من الاقتصادين السوري واللبناني على مدى العقود السابقة، معرفة اين وصل كل منهما، ويبرر المقترحات بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية بينهما.
1- تطور كل من الاقتصادين
مثلت فترة 1920-1950 حقبة اندماج اقتصادي بين البلدين انتهت مع القطيعة الجمركية التي حصلت في العام 1950. جاءت القطيعة بسبب الخيارات المتعارضة للنخب في البلدين. اعطت النخب السورية أولوية للحمائية، في حين اعطت النخب اللبنانية الأولوية لتحرير التبادل مع الخارج. وتطور الاقتصادان بشكل متعارض بعد ذلك التاريخ.
سوريا
يمكن وضع التجربة السورية منذ خمسينات القرن العشرين وحتى اليوم تحت عنوان حلول الدولة محل القطاع الخاص في الاقتصاد، ثم تخليها الطوعي في مرحلة ثانية عن دورها المهيمن في الاقتصاد لمصلحة تقدم دور القطاع الخاص فيه. بدأ حلول الدولة محل القطاع الخاص من خلال تأميم الارض الذي حصل عام 1958، وتطور ابتداء من عام 1961، بحيث حلت الدولة محل القطاع الخاص في الصناعة وفي تمويل الاقتصاد عبر تأميم القطاع المصرفي، وفي احتكار الاستيراد والتصدير. أي اصبح الاستثمار الحكومي منذ الستينات المحرك الرئيسي للاقتصاد.
خلال السبعينات، توافرت لسوريا كدولة مواجهة فوائض مالية هائلة. واستطاعت بهذه الفوائض ان تبني قطاعاً صناعياً جديداً، وان توسع الادارات الحكومية، وان تحقق استثمارات هائلة في قطاع البناء والتشييد وتطوير البنى التحتية.
وتعرّضت سوريا لتراجع حجم التدفقات المالية الخارجية خلال النصف الاول من الثمانينات، ولأزمة ندرة في العملات الصعبة. وبدأت في النصف الثاني من ذلك العقد عملية تحرير للاقتصاد، سميت بتجربة الانفتاح الثاني. وبلغت اجراءات التحرير ذروتها في القانون رقم (10) لعام 1991، الذي اعطى القطاع الخاص الحق بالاستثمار في مطلق قطاع اقتصادي، بعد ان كانت القاعدة حتى ذلك التاريخ ان تحتكر الدولة الاستثمار في ما كان يسمى القطاعات الاستراتيجية.
وشهد العقدان الاخيران تخلياً تدريجياً من قبل الدولة عن مواقعها السابقة في القطاعات الانتاجية وفي الرقابة على الاقتصاد، وتساهلاً من قبلها مع القطاع الخاص لجهة حلوله محلها في العديد من النشاطات الانتاجية. وهذا ما جعل باحثين غربيين يصنفون الدولة السورية تحت مفهوم الدولة "الرخوة" (soft) في هذا المجال.
ولم ترضخ سوريا للضغوط من اجل ان تعتمد قاعدة حرية التبادل الكامل مع السوق الدولية، خصوصاً انها بنت اقتصادها على قاعدة الحمائية، ازالة الحماية تعني انهيار قطاعات انتاجية بكاملها امام المنافسة الدولية، ودفع البلاد الى حالة نزع-تصنيع (désindustrialisation) خطيرة. وبحكم ان الحماية هي التي أمنت نمو القطاعات الانتاجية ضمن استراتيجية "توجه نحو الداخل"، فان القطاعات الانتاجية المحلية تعاني من وجود ازمة تصريف للانتاج، لضعف تنافسيتها وضعف قدرتها على التصدير الى الاسواق الدولية.
واعطت تجربة مكتب الاستثمار السوري منذ 1991 نتائج محدودة لجهة تحفيز الاستثمار، لأن الدولة السورية اعطت حوافز ضريبية للقطاع الخاص، لكنها لم تعتمد مقاربة انتقائية (selective) لتحفيز الاستثمار الصناعي على شاكلة الدول التنموية الآسيوية، من خلال دعم نشاطات وقطاعات بعينها بهدف جعلها قادرة على الخروج الى الاسواق الدولية والمنافسة فيها. كما لم تؤدِّ اجراءات التحرير المتمثلة بافساح المجال امام القطاع المصرفي الاجنبي للاستثمار في سوريا، والسماح بانشاء مؤسسات تعليم عالٍ خاصة، الى نتائج ذات شأن على صعيد حفز النمو الاقتصادي.
لبنان
لعب فكر ميشال شيحا بعد العام 1950 دوراً اساسياً في جعل النخبة السياسية اللبنانية تعتمد خيار "دولة الحد الادنى" (minimalist state) ونموذج الدولة الليبرالية التي تعطي لمبدأ توازن الموازنة العامة على ما عداه، ولو ادى ذلك الى تخليها عن مسؤوليتها في التنمية، ان لجهة اقامة البنى التحتية او لجهة توفير الدعم للقطاعات الانتاجية، بما يتيح لهذه للاخيرة النمو واكتساب التنافسية، والخروج الى الاسواق الدولية.
واذا كانت سوريا قد شهدت خلال الستينات حلول الدولة محل القطاع الخاص، فان دور الدولة اللبنانية في الاقتصاد أخذ بالتراجع بعد العام 1964، من خلال اكتفائها بتحقيق الحد الادنى من الاستثمارات في البنى التحتية، ومن خلال عدم توفيرها للكادرات البشرية اللازمة للادارات العامة والمؤسسات الحكومية التي انشأتها الشهابية، ومن خلال منعها لهذه الادارات من ان يكون لها دور في توفير الدعم والحماية للمؤسسات الانتاجية والقطاع الصناعي بوجه خاص، بما يؤول الى تحقيق "التصنيع المتأخر" في لبنان، وخروج هذا البلد من التخلف.
كان ثمة عدم وضوح لدى الدولة والنخب السياسية في ما يخص استراتيجية التنمية التي ينبغي ان تعتمد. وتم الالتزام بالخيارات التي اعتمدت منذ نهاية القرن التاسع عشر، القائمة على تعريف دور لبنان، وبيروت بوجه خاص، كمستودع بضائع تستورد ليعاد تصديرها. واستمرت التجارة المثلثة، أي الاستيراد لاعادة التصدير، والنشاطات التجارية والمصرفية عناصر رئيسة في تكوين الدخل الوطني حتى عام 1975.
وأدى ضعف الدولة اللبنانية وعدم تحملها مسؤولياتها التنموية الى عجزها عن مواكبة الفورة الاقتصادية التي حصلت في لبنان خلال حقبة 1970-1975. وأدت هذه الفورة الى زيادة غلاء المعيشة ونشوء استقطاب داخل النخبة السياسية حول الخيارات الضريبية للدولة وغيرها. وتحولت الازمة الاجتماعية التي نشأت آنذاك الى ازمة سياسية داخلية، ادت الى نشوب الحرب الاهلية.
بعد ذلك التاريخ، تحول الاقتصاد اللبناني من "اقتصاد منتج للخدمات منفتح على الخارج" يتكوّن جزء مهم من المداخيل فيه من مداخيل ريعية، ويفسح مجالاً لا بأس به لنمو القطاع الصناعي، الى اقتصاد غير منتج "قائم او معتمد على التحويلات". وذلك بحكم استمرار الحرب الاهلية واستمرار الهجرة الكثيفة لليد العاملة الى الخارج.
وجاءت حقبة ما بعد الحرب لتؤكد سيرورة تحول الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد غير منتج معتمد على التحويلات. وذلك لغياب أي مشروع او تصور لدى النخب الحاكمة لجهة دور الدولة في بناء اقتصاد منتج، يكون المحرك الرئيسي فيه القطاع الخاص، وتتولى الدولة فيه توفير الدعم والحماية لهذا القطاع. وجاء تردي اوضاع الادارات العامة بعد الحرب دليلاً على غياب هذا التصور. واظهرت هذه الحقبة حالة التردي الاضافي للادارات العامة ومؤسسات القطاع العام، من خلال تفاقم حالة الشغور الاداري في الفئات العليا للموظفين.
وتمثلت العناصر الرئيسية للاقتصاد بعد الحرب بتفاقم المديونية العامة، ما وفر لمقرضي الدولة و"اصحاب الريوع المالية" مداخيل مهمة ومتزايدة، وباستمرار الاقتصاد اللبناني كاقتصاد معتمد على التحويلات، تتأمن القدرة الشرائية كما الاستهلاك الداخلي فيه، بمقدار ما يستمر اللبنانيون بالهجرة منه للعمل في الخارج. ويمكن في ضوء ما تقدم اعتبار ان التجربة السورية أمنت بناء اقتصاد منتج في اطار من الحمائية، سمح باستيعاب النمو الديموغرافي الكبير الذي حصل على امتداد العقود الخمسة السابقة. لكن ضعف القدرة التنافسية لهذا الاقتصاد حد من نموه وتسبب بوقوع ازمات تصريف للانتاج. كما منع عدم وجود سياسات صناعية حكومية انتقائية ملائمة رفع مستوى الاستثمار الصناعي، ومنع سوريا من سلوك طريق "التصنيع المتأخر" على شاكلة البلدان التي نجحت في الخروج من التخلف.
ويمكن اعتبار الاقتصاد اللبناني "اقتصاداً غير منتج يعتمد على التحويلات"، لم يتمكن من اعادة بناء قدرته الانتاجية بعد الحرب وتوفير عمل لمواطنيه. الامر الذي عزز استمرار هجرة هؤلاء وتراجع لبنان مجتمعياً وديموغرافياً، وتراجع قدرته في المديين المتوسط والبعيد على الخروج من التخلف.
2- "التصنيع المتأخر" كهدف
يمكن في ضوء ما تقدم الاستنتاج ان "التصنيع المتأخر"، بما هو مرادف للتنمية، او للخروج من التخلف، هو هدف يتوجب على البلدين العمل لتحقيقه. أي ان "التصنيع المتأخر" يجب ان يكون اولوية الاولويات لدى كل من البلدين.
كما يفترض ان يتحقق هذا الهدف ضمن اطار رأسمالي، بحيث يكون القطاع الخاص هو المحرك للاقتصاد، وبحيث يكون دور الدولة توفير الحوافز من كل الاشكال لهذا القطاع، بما يجعله مستعداً لخوض تجربة الاستثمار ومخاطرها.
ويفترض كل هذا، بناء قدرة ادارية للدولة، تمكنها من المساهمة في بناء القدرة التنافسية الدولية للاقتصاد الوطني. واظهرت تجربة "مكتب الاستثمار" في سوريا والسياسات التي اعتمدت بعد تاريخ انشائه، ان الدولة السورية لم تعتمد سياسات صناعية انتقائية تسمح ببناء قدرة تنافسية دولية في قطاعات بعينها، بواسطة الدعم والحماية الموفرين لها، مع اشتراط ان تتمكن هذه الاخيرة من اختراق الاسواق الدولية. واظهرت ان بناء اقتصاد قادر على المنافسة في الاسواق الدولية لم يصبح بعد اولوية لديها.
واظهرت التطورات الاخيرة ان سوريا تنحو الى اعتماد النموذج التركي في استقطاب الاستثمار الاجنبي المباشر الى بعض القطاعات، وتعوّل على الشركات الاجنبية في عملية نقل التكنولوجيا. ويمثل هذا الخيار بديلاً من بناء قدرة تنافسية دولية من خلال تطوير القدرة التكنولوجية الوطنية وجعلها قاعدة النمو الصناعي الوطني. وكانت سوريا في فترة الحمائية قد استلهمت النموذج التركي لجهة احتكار الدولة للاستثمار في القطاعات المسماة استراتيجية.
واظهرت حالة الفراغ الاداري (administrative vacuum) التي تعيشها الدولة اللبنانية وادارتها العامة ان النخب اللبنانية لم تقتنع بعد بأنه لا يمكن بناء اقتصاد منتج تنافسي من دون تخطيط مركزي وحماية ودعم توفرها الادارة العامة لمؤسسات القطاع الخاص. بل اظهرت حالة الفراغ الاداري ان هدف بناء اقتصاد منتج تنافسي هو امر غير موجود على اجندة النخب السياسية اللبنانية.
3- أي مستقبل ممكن للعلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا في ضوء هذا الهدف؟
يفترض بناء علاقات اقتصادية بين البلدين تتجاوز ما هو قائم حالياً، وجود تصوّر مشترك تتقاسمه نخبهما لجهة تعريف الهدف الاقتصادي صاحب الاولوية لكل منهما. هذا الهدف ينبغي ان يكون "التصنيع المتأخر".
ويفترض بناء هذه العلاقات وجود تصور مشترك لدور الدولة على هذا الصعيد، أي وجود قناعة مشتركة ومتقاسمة بأن توفير حوافز للقطاع الخاص، تتمثل بالتخطيط الاقتصادي بوجه عام، وتخطيط الاستثمار بوجه خاص، وتوفير الدعم والحماية لقطاعات بعينها، وهو ما يقع تحت تسمية السياسة الصناعية الانتقائية، هو المدخل لبناء قدرة تنافسية دولية للاقتصاد الوطني.
وفي ظل وجود قناعة مشتركة بالهدف وبدور الدولة المطلوب لتحقيق هذا الهدف، يمكن ان يبلور البلدان استراتيجية مشتركة تتيح اقامة قطب صناعي لبناني – سوري مشترك قادر على المنافسة في الاسوق الدولية. أي ان هدف "التصنيع المتأخر"، وتوفير ما يلزم لتحقيق هذا الهدف، هو افضل ما يمكن ان يبني عليه البلدان علاقات اقتصادية مشتركة.
(أستاذ في الجامعة اللبنانية)
"النهار"




















