بعد أن كان موسم الحج السياسي يبدأ عادة بالتوجه إلى واشنطن، أصبحت العاصمة الصينية بكين هي المقصد الأول لموسم الحج السياسي هذا العام. وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات العربية – الصينية، شهد الأسبوع الثاني من العام الحالي زيارة تاريخية غير مسبوقة قام بها أربعة من وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الست، يصحبهم الأمين العام للمجلس بزيارة الصين، التي كانت البوابة الدبلوماسية الأولى للعرب هذا العام. لم يحدث ذلك أبدا من قبل. وحتى في فترة صعود حركة عدم الانحياز بقيادة جمال عبد الناصر وشوين لاي وتيتو ونهرو، كانت علاقات الصين بالشرق الأوسط أسيرة في القفص الحديدي للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وبقي حلفاء الولايات المتحدة بعيدين جدا عن الصين، حتى حرب الخليج الأولى على الأقل. لكن الصورة تغيرت تماما الآن. وربما لم يكن من قبيل المصادفة بعد الزيارة التاريخية لوزراء دول مجلس التعاون أن يستقبل وزير الخارجية الصيني وانغ لي وزيري خارجية إيران وتركيا كلا على حده.
العلاقات العربية – الصينية ستشهد قفزة كبيرة بالانتقال من المستوى الوزاري إلى مستوى القمة، فالصين تعرف أن من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على العالم
ما شهدته الصين خلال الأسبوع الماضي يؤكد أنها تقترب من أن تصبح محورا طويل المدى لدبلوماسية صينية – شرق أوسطية غير مسبوقة على الإطلاق. وأن الشرق الأوسط يتقدم إلى عتبات تغيير تاريخي في التوازنات الجيوسياسية التي تحكم علاقات دول المنطقة ببعضها وبالعالم. هذا يحدث في الوقت الذي تبدو فيه الدبلوماسية الأمريكية متعثرة في فيينا في المفاوضات مع إيران بشأن الاتفاق النووي، ومتعثرة في جنيف في المفاوضات مع روسيا بشأن الموقف في أوكرانيا، وفي حالة غيبوبة مؤقتة في الشرق الأقصى تجاه ما يحدث بين الكوريتين، وفي تايوان.
الأخطر من ذلك أن الدبلوماسية الأمريكية تعاني في الوقت الحاضر من قيود ثقيلة بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والصحية في الولايات المتحدة، ويستطيع المتابع للسياسة الأمريكية أن يرى بوضوح لا لبس فيه، أن الأوضاع الداخلية باتت تؤثر سلبيا في الدور الخارجي للولايات المتحدة. ويزيد من عبء تلك القيود أن واشنطن ترفض فتح هامش أوسع للشراكة في قيادة المعسكر الغربي، وتعرقل عمدا الدور المستقل الذي يمكن أن تلعبه ألمانيا وفرنسا أو الاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية، وهو ما سيزيد أزمة الدبلوماسية الأمريكية في العالم.
تغيرات جيوستراتيجية
تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، وبدأت تنسحب تدريجيا من المنطقة، تاركة وراءها ركاما من المشاكل غير المحلولة في العراق وسوريا والخليج وليبيا والسودان وفلسطين. وانتقل محور تركيز المجهود الاستراتيجي الأمريكي إلى منطقة المحيطين الهندي والباسيفيكي بغرض مواجهة الصين وعرقلة صعودها. وأوكلت الولايات المتحدة عمليا إلى إسرائيل مهمة ملء فراغ انسحابها من الشرق الأوسط، من خلال إعادة تنظيم القيادة العسكرية الوسطى، وضم إسرائيل إلى مسرح عمليات القيادة، مع القيام بتنسيق عن قرب مع تل أبيب، ومنحها دورا أكبر، ومساعدتها على إقامة تحالف إقليمي بقيادتها يضم دولا عربية. ومع تراجع النفوذ الأمريكي واعتمادها على الدور الإسرائيلي للمحافظة على ما تبقى من مصالحها، وجد كثير من دول المنطقة بمن في ذلك حلفاء كبار للولايات المتحدة، أن من مصلحتهم البحث عن شركاء آخرين لهم قوة ومصداقية، وهو ما أدى عمليا إلى زيادة التقارب الخليجي مع كل من روسيا والصين، لما لهما من مصالح قوية في الشرق الأوسط.
وعلى التوازي قامت الدبلوماسية الصينية في السنوات الأخيرة بمجهود كبير في إعادة ترتيب المسرح الدبلوماسي الإقليمي، من خلال عدد من الزيارات التي قام بها مسؤولون صينيون على رأسهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ووزير الخارجية وانج يي، الذي قام بزيارة مهمة لثلاث من دول المنطقة ذات العلاقات التاريخية بالصين (مصر وسوريا والجزائر) في يوليو من العام الماضي، إضافة إلى زيارته التاريخية إلى إيران في شهر مارس الماضي، التي تم خلالها توقيع اتفاقية للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران. كما شارك يي عبر دائرة تلفزيونية في مؤتمر لوزراء خارجية دول التعاون قبل عامين تقريبا، في إطار تعزيز العلاقات مع دول المجلس. وتضمنت عملية إعادة ترتيب المصالح والمسرح الدبلوماسي الإقليمي انضمام عدد من الدول العربية إلى مبادرة الحزام والطريق في المشرق والمغرب، ومشاركة الصين في أعمال إعادة الإعمار والبناء في البلدان التي دمرتها الحروب مثل العراق وسوريا والسودان. وهكذا اتسعت قاعدة المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الصين ودول الشرق الأوسط. وقد زادت جائحة كورونا من وتيرة التعاون بين الطرفين، حيث أتاحت الصين للدول العربية بما فيها مصر ملايين الجرعات من اللقاحات الصينية الواقية من المرض، كما ساعدت على توطين تكنولوجيا إنتاج اللقاحات في المنطقة، خصوصا في مصر، لغرض إنتاج اللقاحات محليا وإتاحتها لدول الشرق الأوسط وافريقيا. وبحلول بداية العام الحالي بدأنا نشهد فعلا مظاهر قوية تشير إلى أن الدور الجيوستراتيجي للصين في الشرق الأوسط يسعى تدريجيا إلى أن تصبح الصين عملاقا اقتصاديا ودبلوماسيا في المنطقة بعد أن ظلت لسنوات طويلة مجرد قزم دبلوماسي رغم حضورها الاقتصادي القوي.
جسور مفتوحة مع الجميع
لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبرز قوة عالمية رئيسية لها مصالح وسياسات متوازنة مع كل أطراف الصراعات الرئيسية في الشرق الأوسط: علاقات قوية مع فلسطين وإسرائيل، ومع إيران والسعودية وإسرائيل، ومع مصر وتركيا وقطر، ومع إثيوبيا ومصر والسودان وإريتريا ومع الجزائر والمغرب ومع سوريا والعراق والأكراد، وحتى مع الولايات المتحدة وروسيا. ولا تخفي الصين مواقفها بالنسبة لقضايا الصراع الرئيسية في الشرق الأوسط؛ فهي مع حل الدولتين لتسوية القضية الفلسطينية، وهي ضد العقوبات الأمريكية على إيران، وتطالب الولايات المتحدة بتحمل مسؤولياتها الناتجة عن انسحابها من الاتفاق النووي، وتدعو إلى ضرورة تصحيح ذلك الخطأ والعودة للاتفاق. وهي تعلن أنها برصيدها الإيجابي لدى كل من طهران والرياض، تستطيع أن تلعب دور «قوة توازن تحافظ على الاستقرار» بصرف النظر عن مدى قدرتها على القيام بهذا الدور، في ظل تعقيدات الوضع الراهن وحداثة الدبلوماسية الصينية، وعدم خبرتها بالمنطقة. وهي أقرب إلى الموقف الإيراني في شأن رفض تدخل قوى أجنبية في تسوية الخلافات الإقليمية وفرض حلول بعينها على الأطراف المختلفة. وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية الصيني في لقاءاته مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وإيران وتركيا، وقال إن دول الشرق الأوسط ليست في حاجة إلى «بطريرك سياسي أجنبي» ليحل مشاكلها على هواه. وتعلن الدبلوماسية الصينية أن علاقاتها مع دول الشرق الأوسط وغيرها من دول العالم تقوم على رفض التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل على تحقيق الاستقرار والأمن للجميع، بما يوفر بيئة صحية للتنمية. إذ يعتقد صناع السياسة في الصين أن المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط ليست «ديمقراطية نظم الحكم» وإنما هي «إشكالية تحقيق التنمية». وتعرب الصين عن استعدادها للتعاون مع دول المنطقة على جميع المستويات من أجل دفع التنمية والتعاون الاقتصادي المتبادل إلى أوسع نطاق، ولذلك فإن جدول أعمال الحوار الصيني – الخليجي تتصدره قضايا اقتصادية أهمها الإسراع بإقامة منطقة تجارة حرة بين مجلس التعاون الخليجي والصين، وهي مشروع يتم التفاوض بشأنه منذ عام 2004. كما أعربت الصين عن رغبتها في زيادة الاستثمارات الخليجية، التي تتمتع بفوائض مالية ضخمة، وتعزيز دور دول المجلس ككل في مبادرة «الحزام والطريق». كما يتضمن جدول أعمال الحوار الخليجي التعاون في مجالات صناعية حديثة، مثل صناعات الطيران والفضاء والتكنولوجيا الرقمية والطاقة الخضراء والتعليم، بما في ذلك التبادل الطلابي وتعليم اللغة الصينية. وعلى الصعيد السياسي فإن قضايا الأمن الخليجي والدور الذي يمكن أن تلعبه الصين في تحسين علاقات الجوار مع إيران، إضافة إلى تسوية القضية الفلسطينية هي أهم الموضوعات المطروحة. وتسعى الصين إلى اكتساب المزيد من تأييد تلك الدول للصين في محافل الدبلوماسية الدولية، ومنع وقوعها داخل دائرة النفوذ الأمريكي في قضايا مثل الحرية الدينية للإيغور المسلمين في الصين، وكذلك الموقف من دورة الألعاب الأولمبية المقبلة في بكين.
ومن المتوقع استمرار مد الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط ليصل إلى ذروة جديدة في العام الحالي، بانعقاد القمة العربية – الصينية الأولى التي من المقرر أن تستضيفها السعودية. وبذلك فإن العلاقات العربية – الصينية ستشهد قفزة كبيرة بالانتقال من المستوى الوزاري إلى مستوى القمة، التي ستمثل آلية مؤسسية جديدة على أعلى مستوى لإدارة التعاون المشترك، تتجاوز اجتماعات منتدى التعاون الذي ينعقد على المستوى الوزاري. كما ستحتفل الصين وإسرائيل في الشهر الحالي بمرور 30 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين.
الصين تعرف أن من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على العالم.
كاتب مصري


























