قال المسؤول العربي: «صدّقني لا شيء لدي. ولا أريد الغرق في التكهنات. يجب انتظار الفريق الذي سيشكله باراك أوباما وتسلمه مقاليد المسؤولية. واضح أن الأزمة المالية ستكون لها الصدارة في لائحة اهتماماته. علينا انتظار العناوين الكبرى لسياسته الخارجية. إنها مرحلة انتظار. نحن دول صغرى بكل المقاييس. خيارات البيت الأبيض تؤثر في أمننا واستقرارنا وازدهارنا».
وأضاف: «يصعب التكهن الآن. يمكن أن يكون أوباما قامة كبيرة وأن تساهم سياسته في ترميم ما خرّبه جورج بوش. ويمكن أيضاً أن يغرق تحت ثقل الأزمات ويتحول رئيساً عادياً لا يحلم بأكثر من ولاية ثانية. يمكن أن يوظف رصيده في الداخل والخارج للتصدي للأزمات. ويمكن أن يختار التعايش معها، والاكتفاء بالسعي الى حصر أضرارها. إنها فعلاً مرحلة انتظار».
وجدت كلام المسؤول العربي عاقلاً وواقعياً. لكنني سمعت من مسؤول أمني كلاماً آخر. قال إن أجندة الرئيس الأميركي الجديد قد تتغير إذا سبقته الأحداث، كأن ينجح أسامة بن لادن في توجيه ضربة مدوية جديدة الى أميركا في الداخل أو الخارج. لن يكون أمام أوباما حينها غير تصعيد الحرب على الإرهاب، أو حدوث انهيار أو اضطراب كبير في باكستان، أو وقوع مغامرة في الشرق الأوسط من قماشة غارة إسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، ونشوء وضع لا تستطيع الولايات المتحدة إلاّ أن تكون طرفاً فيه. وخلص الى القول: «إنها مرحلة ترقّب وانتظار».
العالم ينتظر أوباما. خياراته ستحدد ما إذا كان يمكن مداواة الجروح في العلاقات مع روسيا وعودة التعاون الى ما كان عليه. ستحدد أيضاً ما ستكون عليه العلاقات الأميركية – الأوروبية، خصوصاً أن القارة القديمة تعبت من نهج بوش وأخطائه. يمكن قول الشيء نفسه عن المفاوضات النووية مع زعيم كوريا الشمالية الذي أظهر براعة في الابتزاز النووي. خياراته ستحدد مستقبل الخلاف مع إيران وقاموس أحمدي نجاد، ومستقبل الوضع العراقي، والحوار مع سورية، وملف السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، ومستقبل لبنان.
كان عهد جورج بوش كارثياً. تسمع ذلك في أكثر من عاصمة، ولا تحتاج الى أدلة لتقتنع. مآثره العراقية مريعة. لكنني تذكرت أنني سمعت قبل وصول بوش أن المرحلة مرحلة انتظار الرئيس الأميركي المقبل. هذا من دون أن نتجاهل أن الوضع كان أقل تعقيداً وخطورة قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وإسقاط نظام صدام حسين.
من حق دول الشرق الأوسط أن تنتظر جلاء خيارات أوباما، ومن حقها أن تتحدث عن العهد الكارثي لبوش. ولكن هل يمكن تحميل نهج بوش مسؤولية ما فعلناه نحن ببلداننا حين حوّلنا الانتظار نهجاً ثابتاً وتناسينا ان الدول تبني وهي تنتظر، تنتظر في مؤسساتها ودورة حياة عادية، كما تفعل الدول الأوروبية مثلاً. هل يمكن أن نحمّل نهج بوش مسؤولية تعثر خطط التنمية أو غيابها؟ والنقص في الحريات أو المشاركة والانتقاص من حقوق المرأة ودورها؟ والفساد الذي ينخر المؤسسات؟ واستمرار الجامعات والمدارس متكئة على مناهج تصلح لأزمنة انقضت؟ هل نستطيع تعليق كل فشلنا على مشجب انتظار الرئيس الأميركي فنحمّله مسؤولية الانقسام الفلسطيني والضياع اللبناني وتبعثر الصومال وازدهار عصر القراصنة؟
لقد أقمنا طويلاً في الانتظار، هل يتناقض الانتظار مع محو الأمية وإنارة الشوارع وبناء شبكة طرق؟ هذا النوع من الانتظار ينذر بالتحول انتظاراً قاتلاً.
"الحياة"




















