واشنطن – من هشام ملحم:
قام الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما أمس بخطوة رمزية وسياسية أولى لتسلم منصبه نضحت بالدلالات التاريخية، عندما زار البيت الابيض في رفقة زوجته ميشيل للتعرف على بيته الجديد للسنوات الاربع المقبلة بدءا من العشرين من كانون الثاني المقبل، ولدخول المكتب البيضوي للمرة الاولى حيث عقد خلوة مع الرئيس جورج بوش تطرقا فيه الى القضايا السياسية والتنظيمية، التي هي في صلب عملية نقل السلطات من رئيس جمهوري حكم البيت الابيض ثماني سنوات، الى خلف ديموقراطي ورئيس أول ذي اصل افريقي.
وتكتسب عملية نقل السلطات هذه المرة أهمية سياسية وتاريخية لانها المرة الاولى منذ 1968 تجري هذه العملية والبلاد في حال حرب، ووسط أزمة اقتصادية هي الاسوأ منذ عقد الثلاثينات من القرن الماضي. ويأتي هذا الاجتماع بعد موسم انتخابي طويل انتقد فيه المرشح اوباما الرئيس بوش ووعوده "المكسورة" وسياساته "الفاشلة" بقدر انتقاده منافسه المرشح الجمهوري جون ماكين، وبعد انتقادات ضمنية من الرئيس بوش (احدها كان في خطاب القاه أمام الكنيست الاسرائيلية في ايار الماضي) لدعوات المرشح اوباما الى التفاوض مع خصوم اميركا مثل ايران والايحاء بانها مبنية على افتراضات ساذجة. ولكن فور انتهاء الانتخابات، سارع بوش الى تهنئة اوباما بحرارة قائلا انه سيكون "منظرا رائعا" رؤية عائلة اوباما وهي تنتقل الى البيت الابيض. وشكر اوباما لبوش شهامته، كما تعهد كلاهما التعاون الوثيق خلال الفترة الانتقالية.
وعشية الاجتماع، قال مسؤولون معينون في ادارة الرئيس المنتخب ان أوباما يعتزم فور تسلمه منصبه اعادة النظر في مئات القرارات التي وقعها الرئيس بوش، من أجل الغائها، خصوصاً ان للرئيس الاميركي صلاحيات واسعة تجعله قادرا على اتخاذ قرارات مهمة من دون الموافقة المسبقة للكونغرس. وهذه القرارات تغطي طيفا واسعا من القضايا الاقتصادية والسياسية، بدءا من الغاء قرار بوش وقف المساعدات الحكومية للابحاث العلمية في مجال الخلايا الجذعية، ووقف المساعدات الحكومية لبرامج التخطيط العائلي في الخارج (التي اعتبرها الجمهوريون بمثابة تمويل لعمليات الاجهاض)، مروراً بمحاولات الرئيس بوش السماح لشركات النفط بالتنقيب عن النفط والغاز في ولاية يوتا الغربية وهي خطوة يحتج عليها بقوة المعنيون بالبيئة، وانتهاء باقفال معسكر غوانتانامو، وهو وعد التزمه اوباما خلال الحملة الانتخابية.
وكان المحامي جون بوديستا، احد المسؤولين عن الفريق الانتقالي للرئيس اوباما، قد قال الاحد: "هناك اشياء كثيرة يستطيع الرئيس المنتخب ان يقوم بها من طريق استخدام صلاحياته التنفيذية من دون انتظار اجراءات الكونغرس، واعتقد انه سيفعل ذلك، وهو يشعر بانه حصل على انتداب لاحداث مثل هذا التغيير، وعلينا الخروج عن المسار الذي رسمته ادارة الرئيس بوش".
ووصل اوباما وزوجته الى مقر اقامة الرئيس في يوم خريفي جميل اشرقت فيه الشمس، قبل 11 دقيقة من الموعد المحدد، وكان الرئيس بوش وزوجته لورا في انتظارهما. وبعد المصافحات الودية دخل الاربعة الجناح العائلي الذي يقيم فيه الرئيس وزوجته، وهناك أخذت لورا ميشيل في جولة في الجناح الذي ستتردد فيه اصوات الصغار منذ عقود مع انتقال ابنتي باراك و ميشيل اوباما، ملية وعمرها 10 سنين، وساشا وعمرها سبع… مع كلبهما الذي لا يزال اختياره موضع بحث مستمر. وكان اوباما وزوجته قد غادرا شيكاغو بالطائرة صباح امس، وعادا اليها فور انتهاء الزيارة القصيرة للبيت الابيض.
وبعد لحظات، خرج الرئيس بوش والرئيس المنتخب اوباما من الجناح العائلي سيراً في بهو مكشوف تزينه الاعمدة والاشجار والزهور في طريقهما الى المكتب البيضوي، وهما يتحدثان، وبعدما لوحا للمصورين بسرعة، دخلا المكتب البيضوي، لعقد اجتماع لا يتوقع ان يرشح عنه الكثير، على الاقل في هذا الوقت المبكر لانه سيكون بين الرئيسين وحدهما. وكان كل من الرئيس المنتخب والرئيس بوش قد اوضح ان الاجتماع لن يكون بروتوكولياً بل سياسياً، بمعنى انه سيتطرق الى القضايا الملحة وفي طليعتها الازمة الاقتصادية والاجراءات المطروحة لمعالجتها، الى مناقشة حربي العراق وافغانستان.
وتجمع مئات من المواطنين والسياح امام البيت الابيض، لمشاهدة موكب الرئيس المنتخب من بعيد.
ويواصل الرئيس المنتخب ومساعدوه مناقشة مسألة ملء المناصب الحساسة في ادارته الجديدة، وسرّب مسؤولون في فريقه الانتقالي الى الصحافيين انه لا يعتزم تعيين اي وزير هذا الاسبوع، وان لم يستبعدوا ان يعلن تعيينات في البيت الابيض. ونشرت صحيفة "الواشنطن بوست" ان اوباما قد يضطر الى ابقاء ثلاثة مسؤولين بارزين في مناصبهم الحالية، بسبب تحديات الازمة المالية والتحديات الامنية. واضافت ان اوباما قد يطلب من رئيس الاحتياط الفيديرالي (المصرف المركزي) بن برنانكي البقاء في منصبه على الاقل في السنة الاولى من ولايته للاشراف على الخطة الانقاذية للمؤسسات المالية، كما قد يطلب من رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيوش الاميركية الاميرال مايكل مولن خصوصاً انه يشاطر الرئيس المنتخب تقويمه للوضع في افغانستان، وان يكن اقل حماسة من اوباما لوضع جدول زمني لسحب القوات الاميركية من العراق. كما قد يطلب من المدير الحالي لمكتب التحقيقات الفيديرالي "الأف بي آي" روبت مولر البقاء في منصبه وتفادي اي تغييرات جذرية قد يستغلها الارهابيون لشن هجمات جديدة.
وقال مسؤول سابق في وزارة الدفاع لـ"النهار" ان وزير الدفاع روبرت غيتس ابلغ الى المسؤولين في فريق اوباما، انه لا يريد البقاء في منصبه لاسباب شخصية وعائلية، وان اهتمام فريق اوباما تركز مجدداً على تعيين السناتور الجمهوري المعتدل تشاك هيغل، الذي سيتقاعد في نهاية هذه السنة. وكان هيغل قد رافق اوباما في زيارته الاخيرة للعراق.
● نقلت "وكالة الصحافة الفرنسية" عن الناطقة باسم البيت الابيض دانا بيرينو ان الرئيس والرئيس المنتخب "اجريا محادثات طويلة، وان الرئيس وصفها بأنها جيدة وبناءة ومريحة وودية".
واضافت: "تحدثا عن مسائل داخلية ودولية على السواء، ولكن بما ان الامر لا يتعلق بلقاء ذي طابع شخصي فان البيت الابيض يتجنب، الادلاء بتفاصيل".
واوضحت ان "الرئيس كان مرتاحا الى هذا اللقاء والرئيس المنتخب ووعد مجددا بأن تتم المرحلة الانتقالية بهدوء". واشارت الى ان بوش زار مع الرئيس المنتخب مكتب الرئيس وغرفة لينكولن والغرف التي قد تشغلها ابنتا أوباما وزوجته.
"النهار"




















