الوثيقة المعدّلة أكثر تشديداً على السيادة وعدم استخدام الأراضي لمهاجمة الدول المجاورة
بالتزامن مع انفجار سيارتين مفخختين في وسط بغداد امس، فجر انتحاري نفسه وسط الحشد الذي هرع لمساعدة الجرحى، مما ادى إلى مقتل 31 شخصاً على الأقل واصابة 71 آخرين. بينما صدر الرد الأول من الحكومة العراقية على التعديلات الأميركية على مشروع الاتفاق الأمني، إذ رأى الناطق باسمها علي الدباغ ان ما قامت به واشنطن "غير كاف" وعليها إدخال تغييرات إضافية إذا أرادت تبني النواب العراقيين هذا الاتفاق.
والهجوم الثلاثي في بغداد، الأعنف في البلاد في ستة اسابيع، حصل في حي الكسرة بالأعظمية على الضفة الشرقية لنهر دجلة في منطقة تمتلئ بالمقاهي والمطاعم قرب معهد للفنون الجميلة. وبين القتلى والجرحى عدد من الطلاب والطالبات الذين كانوا يتناولون الإفطار، وكذلك أفراد من الجيش والشرطة.
ودوى الانفجار الاول قرابة الساعة الثامنة صباحا (الخامسة بتوقيت غرينيتش) وبعد نحو ثلاث دقائق، دوّى الانفجار الثاني. وبعد ذلك، فجر انتحاري نفسه في المكان. وأظهرشريط تلفزيوني مشاهد للدمار، إذ ملأت الانقاض المقاهي المطلة على الشارع وتحولت السيارات قطعاً من الصلب الملتوي.
وشاهد جاسم محمد احدى السيارتين تنفجر خارج مطعم، وقال بتأثر: "كان هناك أناس أبرياء وبسطاء مجتمعين لتناول إفطارهم أو التسوق في المنطقة المجاورة. كما أصيب في الانفجار باص صغير كان يسير على مقربة من المكان، وقتل أربعة أو خمسة من ركابه. كيف يمكن تفسير هذا العمل؟ هذه ليست وحدة عسكرية وليست ثكناً عسكرية. لا شيء هناك".
وعُلم لاحقاً ان الانفجار الأول حصل لدى مرور باص مدرسي كان ينقل تلميذات إلى مدرسة متوسطة. وقد اندس الانتحاري بين أشخاص هرعوا لتخليص الفتيات الجريحات العالقات في الباص، ثم فجر نفسه. وقدرت حصيلة العملية بـ31 قتيلاُ و71 جريحاً توزعوا على أربعة مستشفيات.
وبكت امرأة ترتدي عباءة سوداء عند حاجز الامن لأن "زوجي دخل بين الناس للبحث عن ابني الذي يعمل هنا، اسأل الله ان يكون لا يزال حياً". وناشدت ام وسام التي تعرض مطعم زوجها لدمار شبه كامل رئيس الوزراء نوري "المالكي وقف اعمال العنف، فنحن فقراء، حتى عمال المطعم جاؤوا من المحافظات لكسب عيشهم هنا". وانتقد عباس فاضل العامل في احد المطاعم "انشغال السياسيين بمطاعمهم السياسية وطموحاتهم بينما استهدف عمل اجرامي الأبرياء المتوجهين إلى العمل والمدارس".
وأشار مصدر في الجيش الاميركي إلى ان فريقاً تابعاً للجيش سارع إلى المكان بعد الهجوم الثلاثي. ووصف قائد القوات الاميركية في الأعظمية الكولونيل جون هورت العملية بأنها "عمل إرهابي جبان استهدف مدنيين مسالمين من دون اي صلات عسكرية".
ولم يستبعد مسؤول في وزارة الداخلية العراقية ان يكون الإرهابيون سعوا إلى "توجيه رسالة" إلى الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما "عن الوضع الحقيقي في العراق"، والى الضغط على الحكومة لعدم توقيع الاتفاق الأمني، ولإحراج الحكومة قبل انتخابات مجالس المحافظات في كانون الثاني 2009.
وندد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق ستيفان دو ميستورا بـ"التفجيرات المتعاقبة التي استهدفت منطقة الكسرة في بغداد والتي اسفرت عن مقتل واصابة عشرات المدنيين. إن هذه الجرائم تبعث على الاشمئزاز، وهي تهدف الى إعادة غرس الخوف وانعدام الثقة والإنقسام بين العراقيين في الوقت الذي يستعد البلد لاستهلال الحياة السياسية الطبيعية من خلال انتخابات مجالس المحافظات".
وأحصت وكالة "الاسوشيتد برس" 19 تفجيراً في بغداد هذا الشهر حتى الأحد، في مقابل 28 في تشرين الأول و22 في ايلول. وحتى الاحد، كان 44 قتلوا في بغداد منذ الاول من تشرين الثاني، في مقابل 95 في تشرين الاول، و96 في ايلول.
وفي بعقوبة عاصمة محافظة ديالى، أفاد الجيش الأميركي ان انتحارية عمرها 13 سنة فجرت نفسها في نقطة للتفتيش لقوات الصحوة، مما أدى إلى مقتل خمسة من أفراد الدورية وجرح 15. وتقول القوات الاميركية إن مقاتلي "القاعدة" يستخدمون اعدادا متزايدة من المهاجمات لتفادي عمليات التفتيش الامنية، معظمهن من المراهقات اللواتي فقدن اقارب لهن ويعتبرن مهيآت نفسياً للتجنيد لشن هجمات انتحارية.
الاتفاق الأمني
وفي التعليق الحكومي الأول على التعديلات الاميركية للاتفاق الأمني، قال الدباغ ان العرض الاميركي الجديد منح بغداد مزيداً من الصلاحيات في إدارة البعثة الأميركية، "غير كاف لتقبل به الحكومة في صيغته الحالية. لا تزال هناك نقاط لم نتوصل إلى اتفاق ثنائي في شأنها". وأضاف ان الحكومة العراقية تطالب الجانب الاميركي بإعطاء إجابات "تناسب العراقيين". وهو لم يحدد النقاط التي لا تزال موضع خلاف، وإن يكن مرجحاً ان تكون توسيع صلاحية السلطة القضائية العراقية على الجنود الأميركيين.
وفي النسخة المعدلة، تخلت الإدارة الاميركية عن شن هجمات عبر الحدود انطلاقاً من الاراضي العراقية كما كانت طالبت حكومة بغداد بعد الغارة الاميركية على سوريا وخوفاً من استخدام العراق في اي هجوم على ايران. وتضمنت الوثيقة المعدلة التي تقع في 24 صفحة في نسختها الانكليزية، تشديداً لفظياً أقوى على السيادة العراقية، وهي تعيد السلطة في المجال الجوي إلى العراقيين وتمنحهم حق التحقق من هويات الاميركيين والمتعاقدين معهم الداخلين إلى البلاد، ولكن تحتفظ الولايات المتحدة بحق "اتخاذ الإجراءات المناسبة للتعامل مع اي تهديد للعراق ونظامه الديموقراطي ومؤسساته المنتخبة".
ويجب ان يتبنى النواب العراقيون الاتفاق قبل 31 كانون الاول، موعد انتهاء تفويض الامم المتحدة للقوات الاميركية. ويواجه الاتفاق معارضة كبيرة من السياسيين الشيعة.
وكذلك صرح المستشار الاعلامي للمالكي، ياسين المجيد بان الحكومة العراقية ردت على المسودة الاميركية المعدلة، وان الرد سلم امس إلى مجلس الرئاسة العراقي الذي يضم الرئيس جلال طالباني ونائبيه طارق الهاشمي وعادل عبدالمهدي. ورفض ان يوضح ما إذا كانت الحكومة قبلت التعديلات، مشيراً إلى ان الوثيقة ستنقل الآن إلى النواب.
وكان المالكي أبلغ الى الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ان الاتفاق الامني يستجيب للمطلبين الاساسيين للحكومة العراقية. وأفادت الجامعة ان وزير الامن العراقي شروان الوائلي سلم موسى رسالة من المالكي تفيد ان الاتفاق في صيغته الأخيرة "لا يخل باستقلال العراق وسيادته، كما ينص على عدم استخدام اراضي العراق للتجاوز على دول الجوار". وأضاف ان هذه الرسالة هي لـ"تطمين كل الدول العربية للتأكيد ان هذا الاتفاق يتضمن مضامين اساسية وهي الا يكون هناك اي تجاوز على اي دولة جارة او اي دولة عربية او اي دولة صديقة والا ينتقص من استقلال العراق وسيادته".
وفي النجف، نقل رجل الدين البارز صدر الدين القبانجي عن المرجع الشيعي الاعلى آية الله العظمى علي السيستاني حرصه على "عدم المس" بسيادة العراق في الاتفاق الامني و"لو بأدنى مستوى"، وانه "سيقول كلمته عندما تتبلور الرؤيا كاملة لدى المسؤولين".
إلى ذلك، أعلن الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامى أكمل الدين إحسان أوغلي افتتاح مكتب في العراق على مستوى سفير، وذلك للمرة الأولى في بلد عضو لتكون المنظمة قادرة على المساهمة في الشأن العراقي بفاعلية.
وقال مصدر أذري ان الوحدة العاملة في العراق ستعود الى بلادها الشهر المقبل. وأنهى الجنود اللاتفيون عملهم في العراق.
(أ. ف. ب، أب، رويترز، ي ب أ)




















