لسنوات عديدة وقع أشخاص كثيرون وجيدون في وهم مفاده أنه من شأن الضغط الاميركي أن يجلب السلام الى الشرق الاوسط، ووضع حد للنزاع التاريخي الاسرائيلي ـ العربي. هذا الخطأ دفع الأشخاص المؤيدين والداعين للسلام في المنطقة، يهوداً وعرباً، الى تمني مثل هذا الضغط الاميركي الذي يفرض تسوية سلمية على الطرفين.
هذه الامنية المرغوبة كانت خطأ ووهماً لسبب بسيط وهو ان السلام لا يفرض بالقوة، الا اذا حطمنا كلياً، ودمرنا بشكل تام القوة العسكرية للدول المثيرة للحرب، وفككنا وبنينا على أساس جديد كل نسيجها السياسي، كما حصل في حالة المانيا واليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه ليست الحالة في منطقتنا.
هنا لا يفرض السلام بالقوة. هنا يمكن أن يبنى السلام على الثقة فقط، على الاحترام المتبادل وعلى الحوار. في فترة الحرب الباردة لم يكن ممكناً احلال السلام بين اسرائيل والدول العربية طالما بقيت القوى العظمى المتخاصمة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تتواجهان في الشرق الاوسط من خلال القائمين باعمالهما. الدول العربية حلت مكان روسيا السوفييتية واسرائيل لعبت دور الولايات المتحدة. وهكذا كان بوسع القوى العظمى المتخاصمة ان تتبادلا الضربات من دون ان تتضررا ومن دون ان تجدا نفسيهما متورطتين في مواجهة صريحة وخطيرة على وجودهما.
نتيجة المواجهة كانت أن اشتبهت اسرائيل، وعن حق، في نوايا روسيا السوفييتية، ولم يكن للعرب ذرة ثقة بنوايا الولايات المتحدة. انعدام الثقة هذا من جانب العرب باميركا كباسطة للسلام المحتمل استمر ايضا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. في الثماني سنوات من حكم بوش تصاعد انعدام الثقة بالولايات المتحدة لدى العديد من الدول العربية. ولذلك لم تتمكن واشنطن في عهد بوش في أن تدفع قدماً أي عملية سلام في الشرق الاوسط.
انتخاب اوباما رئيسا للولايات المتحدة يغير الصورة. هذه هي المرة الاولى منذ سنوات عديدة تُسمع فيها، من زعماء الدول العربية المتشددة، ومن جانب زعماء السلطة الفلسطينية وحتى من جانب قادة حماس ـ بوادر أولية للاعراب عن الثقة بالديمقراطية الكبرى تحت زعامة اوباما، وان كانت لا تزال مترددة يحدوها الامر في أن توشك الولايات المتحدة على أن تلعب دورا هاما في بسط السلام في منطقتنا.
مسموح إذن المخاطرة بالافتراض في أنه لمعرفته الجيدة باسرائيل وحقيقة أنه لا يمكن لاي حكومة اسرائيلية أن تصد أي زعيم عربي يعمل مثلما عمل في حينه السادات مقابل بيغن، فان نشاط ادارة أوباما سيوجه اولا نحو حوار مكثف مع السوريين ومع محافل اخرى، ولتكرار نموذج السادات حيث من المفترض أن يحصل ذلك مع سوريا ومع السلطة الفلسطينية. وهو سيقود هؤلاء الى وضع لا يمكن لاسرائيل فيه أن ترفض السلام الذي يقترحونه، تماما مثلما لم يكن بيغن قادرا على ان يرد في حينه اليد الممدودة من السادات. لم تكن هذه تسوية مفروضة بل كان سلاماً لم يكن ممكناً رفضه. وعليه، فان كل من يعتبر وجود اسرائيل عزيزاً عليه، ينبغي أن يفرح لانتخاب اوباما كرئيس.
(«اسرائيل اليوم» 6/11/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















