قلنا في نشوة التحرر من الاستعمار وبداية الانقلابات، إن الحدود بين الدول العربية مصطنعة رسمها الاستعمار، وإن عودة الوحدة الشاملة قرار حتمي يفرضه التاريخ والجغرافيا وحضارة اللغة وقوتها داخل المجتمعات، غير أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، لأن من تمتع بكسر الحدود والمواطنة الشاملة البادية ورعاتها الذين ينتقلون من حدود لأخري بدون إبراز الهوية أو الجنسية، أما الدول فقد جعلت من حدودها متاريس الثوري فيها يخشى اليميني الغربي أن يُدخل الجواسيس وأموال الامبريالية الغربية إلى صلب أمنه، لقلب نظام الحكم، والطرف المعاكس يخشى فيروسات الثورية بتعدديتها اليسارية الماركسية – المادية، أو العربية.
فكان تبادل الزيارات، والمرور من الحدود سياحياً أو تجارياً، أو حتى استشفائياً يمر بحلقات الأسئلة والتفتيش وأحياناً الاعتقال في حال الاشتباه، لدرجة أن منع العمالة بما فيها المدرسين كانت أساليب ضغط في التعاقدات بين دول الوفرة السكانية، والأقل منها، ولا نستغرب، في الوقت الحاضر، أن تدخل الممنوعات النشاطات الترفيهية مثل أفلام السينما والمسلسلات، ووضع القوائم السوداء لاشراك ممثلين بين تلك الشركات ومراكز الإنتاج..
الحدود المصطنعة لم تخلقها الدول الاستعمارية لتكرس هيمنتها فقط بل لأنها تدرك عوامل الفرقة والعازل النفسي بين الحي والآخر داخل المدينة العربية الواحدة، وإذا ما أضيف لها عنتريات الضم، والتوحيد بالقوة العسكرية التي تسندها الجماهير، كما كان الوهم السائد، فإن فشل دول الاتحادات التي جرت بين الأردن والعراق أثناء الوحدة السورية المصرية، وكذلك الأخيرة التي أعقبتها قطيعة شاملة، يرينا كيف أن مغامرة الرئيس السادات بالمصالحة مع إسرائيل، ليست نموذجاً للهزيمة أو التبعية الاستعمارية.
وإنما لتأكيد أن الحروب مع إسرائيل انتهت بفعل فجوة توازن القوى، وأن كسبه الأرض بعد حرب مشرفة، واليأس من وضع قابل للتجانس والتضامن كانا وراء هذه الدوافع حتى أن رد الفعل بمقاطعة مصر، لأنها لم تختر الوقت المناسب، أو تستشر الدول التي شاركتها المعركة، كذبته وقائع أن ذلك تم، وأن الرد الساخن برفض أي هدف للمصالحة وحسم الأمور بقوة السلاح، كانا المفردة العامة السائدة التي يعرفها الرئيس الراحل أنور السادات وأسرارها والتي أدت إلى نقل الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس..
موضوع الأزمات العربية لم يأت من استعمار ومؤامرات، وإنما لأن من صعّد الآمال إلى حدود اللامعقول، لم يدرس نشأة وظروف المجتمع العربي الذي خرج من الخلافة العثمانية بفراغ كبير سدّه مشروع «سايكس – بيكو» الذي رسم الحدود والدول، وحتى بعد هذه الرحلة فإن من تولوا الحكومات بعد نهاية الاستعمار، أبقوا على هامشهم الديمقراطي، بما في ذلك حرية الأحزاب والصحافة واستقلال القضاء كميراث للدول المحتلة، لكن ما أحدثته صدمة الانقلابات كان التكريس الحقيقي الذي نقلنا من الحدود المصطنعة إلى الحدود المغلقة، لتكملها ثقافة العزلة والتمايز الاجتماعي والخلافات التي أكدت أن قضية مشروع عقل لم يكتمل..
الرياض




















