من المنتظر أن تشكل مبادرة السلام الجديدة لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي التي سيطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة مطلع شهر حزيران أول ترجمة عملية للتوجهات الجديدة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وعلى ما يبدو فإن خطة السلام الجديدة التي سيطرحها الرئيس أوباما هي الى حد بعيد ثمرة النقاشات التي أجراها بصورة خاصة مع رؤساء الدول العربية المعتدلة، و حصيلة المشاروات التي أجراها مع مستشاريه الذين كلفهم معالجة ملف الشرق الأوسط.
تمزج هذه الخطة بين بنود "خريطة الطريق" و مبادرة السلام العربية و رؤية جورج بوش لحل الدولتين لشعبين. ويمكن القول إن البند الجديد الذي أضافته ادارة الرئيس أوباما على ما سبق من مبادرات هو الربط بين تقدم المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية وبين معالجة المشكلة النووية الإيرانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة كيف سينجح باراك أوباما في تسويق خطته للسلام في ضوء تحفظ ورفض طرفين أساسيين معنيين بالحل أي الحكومة الإسرائيلية و"حماس"؟
لقد كشف لقاء أوباما – نتنياهو عمق الهوة التي تفصل بين الموقف الأميركي من الحل وبين المواقف الإسرائيلية. فلا مجال بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحديث عن دولتين لشعبين طالما لم يعترف الفلسطينيون بيهودية الدولة الإسرائيلية. وهذا الكلام بحد ذاته هو استدراج لحركة"حماس" الى مشكلة نظراً لموقفها المعروف الرافض مما سيؤدي الى احباط أي امكان للتقدم في اتجاه تحقيق مثل هذا الحل.
وهناك المسألة الأخرى التي تقترحها الإدراة الأميركية وترفضها غالبية الإسرائيليين على اختلاف انتماءاتهم السياسية وهي ربط التقدم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بالتقدم في معالجة ملف السلاح النووي الإيراني. ليس واضحاً ما الذي استنتجه الرئيس الأميركي من لقائه مع نتنياهو حول هذه النقطة، ولكن الأكيد أن إدارة أوباما وحدها المقتنعة بأن حل النزاع العربي الإسرائيلي سيؤدي الى حل مشكلة السلاح النووي. ومثل هذا التفكير يعتبره الإسرائيليون ضرباً من السذاجة والمثالية السياسية التي لا تأخذ في اعتبارها الطموحات الإيرانية الحقيقية الرامية الى بسط هيمنتها على المنطقة عبر إمساكها بورقة القضية الفلسطينية وتبنيها لفكرة النضال المسلح ضد إسرائيل. ويصعب على الإسرائيليين التصديق ان الإيرانيين سيوافقون على عدم تصنيع قنبلتهم النووية الأولى نزولاً عند رغبة باراك أوباما.
ثمة نقطة أخرى تثير الكثير من الشكوك هي رغبة الرئيس باراك أوباما في مبادرته الجديدة دعوة الدول العربية الى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل مقابل تعهد إسرائيل وقف البناء في المستوطنات والتفاوض مع الفلسطينيين ومن دون انتظار التوصل الى اتفاقات نهائية للنزاع. وأوباما هنا يتبنى جانبا مما أوحت به المبادرة العربية للسلام حول التطبيع مع إسرائيل متجاوزاً البند الخلافي المتصل بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية.
وهنا يبرز عائقان أساسيان: رفض بعض الدول العربية وعلى رأسها لبنان رفضاً مطلقاً لحل توطين الفلسطينيين الذي طرحه مع العاهل الأردني الملك عبد الله الرئيس الأميركي في لقائهما الأخير كحل لمشكلة حق العودة الذي ترفضه إسرائيل؛ وهناك موقف سوريا التي ما فتئت تطالب الولايات المتحدة رعاية مفاوضاتها مع إسرائيل والتي حتى الآن لم تنجح في حمل إدارة أوباما على التجاوب مع هذا المطلب وأكبر دليل على ذلك عدم تطرق الرئيس أوباما في لقائه مع نتنياهو الى موضوع معاودة المفاوضات مع سوريا. وكيف يمكن سوريا التجاوب مع مطلب تطبيع العلاقات في الوقت الذي ما زالت فيه المفاوضات السياسية غير المباشرة مجمدة بين البلدين بسبب رفض حكومة نتنياهو التجاوب مع الدعوات لمعاودتها، وبصورة أساسية بسبب رفض هذه الحكومة الموافقة المسبقة على الإنسحاب الكامل من هضبة الجولان الأمر الذي سبق لحكومة إيهود أولمرت أن وافقت عليه؟
في ضوء هذا كله لا شك في ان إعلان أوباما عن مبادرة جديدة للحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي سيشكل أكبر اختبار للسياسة الخارجية لهذه الإدارة. ففشل المبادرة سيعني عودة شبح الحرب والمواجهات الى المنطقة ونجاحها سيشكل بداية مرحلة جديدة ومختلفة في تاريخ شعوبها.




















