وقفة مع كلام المفتي عن الحرية
كتب الدكتور محمود عكام مفتي حلب في جريدة الثورة السورية الرسمية بتاريخ 15 أيار الجاري مقامات تتحدث عن الحرية , و ذكر الدكتور في مقاماته عن الحرية أنها عنوان لجماعة , لأمة أو مجتمع قبل أن تكون عنوانا لفرد , و هو لا يرى لذلك ما يضير في تقييد حرية الفرد لصالح حرية الجماعة , يجب هنا التذكير بالمعتزلة الذين ناقشوا اشتراطات النص القرآني المقدس و أولوها فيما يتعلق بقضية الحرية الفردية هذه , فإذا كانت المسؤولية عن الأفعال فردية و إذا ترتب على هذه المسؤولية عقوبات ما قد تصل إلى حد الجحيم فلا بد إذن أن تكون الحرية فردية , و اعتبروا ذلك أساس العدل , يبقى هذا الجدل مع فكرة أن يجري تقييد حرية الأفراد لصالح حرية الجماعة التي ينتسبون إليها , أما تقييد حرية الأفراد بغرض واحد فقط هو إخضاعهم لمستبد ما , أي أن يكون حرمانهم من حريتهم الفردية هو جزء من حرمانهم كمجموعة أيضا من حريتهم , فهذا مما لا يستحق حتى الجدل……..
في نقد النزعة الإنسانية
لا بد من استخدام مطرقة كبيرة جدا لتحطيم الأصنام الجديدة التي بناها أصحابها لتحل مكان الأصنام القديمة , لا بد من إزالة تلك الهالة المقدسة القديمة الجديدة التي يريد الكهان الجدد أن يضعوها حول أصنامهم الجديدة , لا بد من تمزيق القناع السحري الأسطوري الذي تضعه الخطابات الأصولية أو ما تسمى بالحداثية على وجهها لتجعلنا نصدق و نؤمن بوجود دين جدير بالإتباع أو إله ما في مكان ما جدير بالعبادة , المقصود هنا هو أسطورة الإنسان ذاتها التي أعلن فوكو عن سقوطها بموت صاحبها كما روجت لها الحداثة البرجوازية , إن المقصود هو فكرة التقدم البشري نفسها نحو نهاية ما للتاريخ , نحو سادة نهائيين للعالم , نحو أصنام لا يمكن لأي نبي قادم تحطيمها , نعم من المؤكد أن هناك شكل ما من التقدم باتجاه فهم أفضل للعالم و ربما لتواجد إنساني أكثر غنى , لكنه ليس تقدما غائيا و لا حتميا , بمعنى أنه يجري على شكل قفزات و ليس بشكل خطي مستقيم , و الأهم من ذلك أنه ليس باتجاه هدف أو غائية ما , إنه في الأساس يخضع لقانون الاحتمالات و ليس لقوانين حتمية , و من هنا فقط يمكن الحديث عن مصدر لحرية إنسانية ما في صنع التاريخ مع تقدم الوعي الإنساني الفردي و الجمعي , ليس على التوافق مع حتمية ما يجب فهمها و تقديسها , بل على الضد من احتمالات معادية بشكل واع بالضرورة , إن الزعم بأن هذا التقدم أدى و يؤدي مثلا إلى هذه الثقافة الراهنة من حقوق الإنسان ساقط بالضرورة و تفرضه فقط قوة السلطة العالمية الراهنة السياسية و العسكرية و تفوقها التقني و المعرفي , ما تزال القوانين الرومانية تدرس حتى الآن في كليات الحقوق في العالم و يمكن اعتبارها تطورا حقيقيا في القوانين البشرية الوضعية , لكن مشاهد القتال بين العبيد حتى الموت , أو التهامهم من قبل الوحوش الكاسرة , مثلت التسلية الأساسية للطبقة الأرستقراطية في الإمبراطورية , هكذا كان التعايش بين تلك القوانين و بين وضعية العبيد في روما , ربما كانت القرابين البشرية أيضا جزء من طقوس الهنود في حضارة المايا و غيرها , لكنها كانت ذا طبيعة دينية على الأقل و لم تجر بكل بساطة في سبيل تسلية السادة , كما هو الحال في كل مكان هناك دوما أفضلية للبدائيين في مواجهة المتحضرين أو المتمدنين , و لم يكن المغول وحدهم من استعمل العنف المنفلت ضد خصومهم أثناء فتوحهم , كان حجم المجازر يتوقف على مقاومة الشعوب المغلوبة و ليس على درجة الشعور الإنساني عند الفاتحين , و حتى اليوم تعتبر الفتوحات , أو احتلال أراضي الغير و نهبها شكل مشروع من أشكال الحصول على الملكية الخاصة و استثمارها , لم يكن قتل الإنسان أو التضحية به نتيجة فقط لبدائية تلك الأقوام , بل كان في الحقيقة نتيجة لظهور الذهب كتجسيد نهائي للملكية الخاصة , لقد ولد الجشع الذي لا يرضيه أي مقدار ممكن من الذهب , لم يكن الصليبيون الذين احتلوا القدس في القرن الحادي عشر أو الإسبان الكاثوليكيون الذي ذبحوا أعدادا لا تحصى من الهنود الوثنيين سعيا وراء الذهب أقل همجية من خصومهم المسلمين أو الوثنيين , الذهب كان كافيا لتبرير كل هذه الدماء , و في أحيان أخرى الأخلاق , أو الصيغة السائدة منها , التي تخدم القوة السائدة بالضرورة , في الطقوس الإسلامية هناك طقس همجي يمارس جماعيا هو طقس قتل الزاني و الزانية رجما بالحجارة حتى الموت , يتجاوز هذا الطقس سائر الطقوس بما فيه من دموية و مشاركة جماعية في فعل القتل نفسه و وسيلة القتل ذاتها , ما دامت المرأة هنا تعامل كملكية خاصة لا يحق سوى لسيدها الاستمتاع بها بغض النظر عن إرادتها , أما في القرن الماضي فقد قضى مئات ملايين البشر في ساحات المعارك و معسكرات الاعتقال في جنون غير مسبوق في تاريخ البشرية على هذه الأرض , كان الموضوع هو تحرير الإنسان كما زعم يومها , يكفي أن نذكر هنا كيف جرى "القضاء على النازية و العسكرية اليابانية" , في بلادنا انتهى تحرير الإنسان أولا إلى الرعب المرتبط باسم صدام و عبد الناصر و الأسد الأب ثم إلى الرعب الذي ارتبط بفرض الديمقراطية بالأساطيل و بمقاومة الاحتلال على السواء , تفتح اليوم كل نشرات الأخبار بقصص مجازر جديدة يرتكبها حراس الفضيلة الأصوليون أو الأساطيل التي تمثل الحداثة البرجوازية , أليس من السخرية بعد كل ذلك الحديث عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان أو حتى بالإنسان في عالم كهذا , الطريقة التي جرى بها اكتشاف الإنسان في نطاق ما عرف بعصر الأنوار جديرة فقط بالاحتقار بقدر ما تحتقر هي الإنسان الفعلي , تماما مثل الطريقة التي يفرض من خلالها رجال الدين على البشر أن يصبحوا بشرا وفقا لمشيئة و أوامر و نواهي إله هم وحدهم يعرفون أين يوجد و ماذا يريد و لماذا خلق البشر , تماما كالطريقة التي يكرم فها رجال الدين المرأة و الإنسان بتطويب تحويلهم إلى ملكية خاصة بزيتهم المقدس و الإصرار على أن يكون عبدا أو مملوكا مخلصا غبيا لسادته , بينما يتساءل من يريد أن يبيعنا بعض الأصنام الكاسدة : أحقا لا تريدون صنما تعبدونه , أتطيقون أن تعيشوا دون وهم , سراب , يمنحكم بعض العزاء , كي نموت مطمئنين في معارك القتلة , فحتمية القتلة لا تترك مجالا للناس كي يختاروا بين الموت و الحياة ,
في نقد أخلاق العبيد
كان نيتشه على حق في نهاية الأمر , لقرون قامت الأخلاق على أساس الشفقة و الإحسان تجاه الفقراء و المستضعفين , لقرون كان هؤلاء الفقراء و الضعفاء مجرد حاضرين غائبين عن الحياة , مجرد موضوع لإحسان الأغنياء و الأقوياء و الحكام و شفقتهم , كان هذا هو البعد الأخلاقي المزعوم لحقيقة انقسام البشر إلى أقوياء و ضعفاء , إلى مستكبرين و مستضعفين لو شئتم , فالشفقة تجاه الضعفاء هي جزء من عملية خلق , و تكريس , ضعفهم , و الإحسان للفقراء هو جزء من عملية خلق , و تكريس , فقرهم , هذه هي لعبة من يدعي القوة و الرحمة..ليست الشفقة و الإحسان انتقاصا من إنسانية الفقير و المحكوم , بل من أهليته , من معنى وجوده و قيمة هذا الوجود , لصالح المحسنين الأخيار , لصالح وجود أغنى قيميا و أخلاقيا و في الأصل فعليا و ماديا , ليس فقط أن الشفقة و الإحسان تجاه الفقراء و المحكومين تعبر عن الرغبة بتأسيس العلاقة بين الغني و الفقير , الحاكم و المحكوم , على شكل صورة خارجية قائمة على النفاق , كذبة الغني المحسن و الحاكم العادل , و نفاق الفقراء و المحكومين تجاه سادتهم للحصول على هذا الإحسان و استدرار تلك الشفقة , بل إنهما أساس استلاب الفقير و المحكوم و تغييبه كإنسان و كند للغني و للمحكوم , إنها الطريقة التي يتحول الفقير بموجبها إلى تابع للغني و المحكوم إلى تابع للسيد , إن شفقة رجال الدين و الحكام ليست سوى كذبة , مثلها مثل موقف النخبة ممن تسميهم بالشعب أو الجماهير , إنها محاولة لقلب الأمور ليبدو وجود هؤلاء الناس ثانويا و هامشيا و متوقفا بالكامل على حكامهم و على المؤسسة الدينية أو النخبة , لإعادة تأسيس العلاقة أو التوازن بين وظيفة الإنتاج المادي التي يقوم بها هؤلاء البشر الفقراء و المحكومين و بين الوظيفة الطفيلية للحكام و رجال الدين , و تكريس استلاب الناس عن ذواتهم و تكريس وضعيتهم كأتباع و يصادر قرارهم و يحولهم إلى أشياء تملك و تباع و تشرى و تورث , الزكاة في التعاليم الإسلامية و مشاعر الشفقة و الإحسان المرتبطة بالمقدس كل مقدس , و نظيرها الحداثي : عبء الرجل الأبيض أو المبرر الذي يستخدمه النظام الرأسمالي للقضاء على الشعوب التي تقف في طريق مضاعفة أرباحه أو لاستعبادها في أضعف الأحوال , هي بالضبط معادلة اغتصاب حرية الناس و لقمة خبزهم……




















