( وزير وعضو كنيست سابق)
القصة المحببة جدا واليَّ من عملية السلام التي جرت في تسعينيات القرن الماضي، تتعلق بالمفاوضات التي دارت في إيلات وطابا بين أوري سافير، مدير عام وزارة الخارجية ورئيس الوفد الإسرائيلي آنذاك، وبين أبو علاء، رئيس الوفد الفلسطيني، قبيل التوقيع على التسوية الانتقالية في أيلول 2005. ففي أحد الأيام، وصل دنيس روس إلى مكان المحادثات، ودخل إلى الغرفة التي جلس فيها الرجلان، وفي لحظة دخوله سارعا إلى إخفاء الأوراق. "كيف تسير المحادثات؟"، سأل المبعوث الأميركي الخاص، فسارع الاثنان إلى توجيه الانتقادات المبتادلة بسبب التصلب في المواقف والذي هو في غير محله. وبعد أن خرج روس من الغرفة، انفجر الرجلان بالضحك وأعادا الأوراق إلى الطاولة. وبعد مرور أيام أُنجز الاتفاق. وكالعادة جرى حفل التوقيع الرسمي في واشنطن.
هذا هو السبيل الصحيح في نظري. هكذا أجرينا اتفاق أوسلو، هكذا أجرينا اتفاق السلام مع الأردن: طرفان يريدان السلام، وقوة عظمى صديقة مستعدة دوما للمساعدة وخصوصا في تمويل النفقات الباهظة التي تنطوي عليها الاتفاقات السياسية. لو كان الوضع اليوم على هذه الحال، لكان من الممكن إعفاء الرئيس أوباما من العبء الذي قرر تحمله. لكن هذا غير ممكن. فمن دون أوباما لا يوجد الآن أي أمل للتوصل إلى سلام في الشرق الأوسط.
هذا ليس وضعاً جيداً ومناسباً، وأنا أؤمن إيماناً مطلقاً في أنه لا يوجد من يعرف مصلحة الطرفين أفضل منهما، لكن بنيامين نتنياهو وأبو مازن لن يصنعا سلاماً بين إسرائيل وفلسطين. نتنياهو لا يؤمن بالقدرة على التوصل إلى سلام مع الجانب العربي في موازاة الإصرار على الاحتياجات الأمنية لإسرائيل. لو كان الأمر مرتبطاً به، فسيدفع ضريبة كلامية لسلام اقتصادي، سلام ثقافي، سلام بين الأديان وترهات آخرى، لكن لا يوجد أي سلام يمكن أن يعيش معه بسلام وأن يقبل به الجانب العربي. أبو مازن فقد من قوته، ولا يوجد أمل في أن يتوصل إلى تسوية مع نتنياهو. عندما يكون الطرفان غير مؤهلين وغير قادرين على قيادة الأمور نحو تسوية سلمية، فثمة حاجة إلى طرف ثالث.
هذا حصل في 1978، عندما ألقى الرئيس كارتر بكامل ثقله كي يحرز اتفاق سلام إسرائيلي ـ مصري. بيغن لم يأت إلى السلطة من أجل التنازل عن كل سيناء، الأرض التي تفوق مساحتها بثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل السيادية، والسادات لم يكن بمقدوره فرض السلام على بيغن. وحده التدخل الأميركي كان قادرا على أن يؤدي للتغيير، وليس بسبب الضغط بالذات، بل لأنه أُوضح جيدا للطرفين طبيعة المصالح الأميركية، ولم يكن كلاهما مستعدا للمخاطرة بخسارة العلاقات الوثيقة مع القوة العظمى.
على ما يبدو فإن هذا ما سيحصل الآن أيضا. الطرفان غير قادرين على التوصل إلى السلام من تلقاء نفسيهما. وتعتقد الولايات المتحدة أن السلام في المنطقة حيوي بالنسبة لها، سواء من أجل الخروج من العراق، أو من أجل ضمان ائتلاف عربي مقابل إيران. وفي اللحظة التي تكون فيها الصلة بين السلام في منطقتنا وبين المصالح الأميركية الحيوية واضحة لأصحاب القرارات في الولايات المتحدة، فمن الواضح أنه سيشرع هؤلاء في نشاط مكثف كي يقولوا لنا وللفلسطينيين أن الحوار العقيم الذي استمر منذ سنين طويلة عديم الجدوى، وأنه حانت لحظة الحقيقة.
في رأيي، لم نصل إلى السلام حتى اليوم على الرغم من أننا جميعا نعرف أنه سيبدو في النهاية مثل معايير كلينتون ومثل مبادرة جنيف، فقط لأن أي من الطرفين لا يعتقد أن لحظة الحقيقة حانت، وفضل عدم الكشف عن هامش المناورة الحقيقي عنده. المفتاح في يد أوباما. إذا توصل إلى خلاصة مفادها أن اللحظة حانت، فستحين اللحظة، وإذا حانت اللحظة، ستأتي معها أيضا التسوية المتوقعة جدا.
("يديعوت أحرونوت" 21ـ5ـ2009)




















