بموجب القوانين، يمكن أن يستردّ النواب النفقات التي تترتّب "في شكل كامل وحصري وبالضرورة" عن أدائهم لواجباتهم البرلمانية. وهكذا عرف السياسيون البريطانيون أسبوعاً صعباً بذلوا فيه جهوداً حثيثة لتبرير استعمالهم لأموال المكلّفين بهدف شراء مغاسل سوداء براقة وتنظيف برك السباحة وتفريغ الخنادق المائية وإضافة عوارض خشبية وهمية في منازلهم. اعتذر قادة الأحزاب الرئيسة الثلاثة عن إساءة استعمال نظام النفقات. جرى التلويح بدفاتر الشيكات تعبيراً عن الندم، وأُطلِقت وعود بإجراء إصلاحات، وأظهر استطلاع آراء أن 85 في المئة من الناس يعتبرون أن النواب "يخدمون مصالحهم الذاتية وليسوا على تماس مع الواقع".
ينظر البريطانيون عادة نظرة سلبية إلى ممثليهم، ولطالما كان الاحتمال ضئيلاً بأن يقترعوا بكثافة في الانتخابات المحلية والأوروبية الشهر المقبل، ولذلك من الصعب أن نعتبر ما يجري أزمة من أزمات الديموقراطية. غير أن مسألة أثارت غضب الرأي العام إلى هذا الحد هي بلا شك مسألة مهمة. إنها أزمنة مضطربة، والناس يتطلعون إلى الحكومة كي تقود البلاد. فكيف لها أن تكافح التهرب من الضريبة والاحتيال على نظام المنافع، وتحشد الدعم لخفض الخدمات العامة إذا كان النواب أنفسهم يُعتبَرون بأنهم يتقاضون أموالاً غير قانونية؟
ليس النواب البريطانيون فاسدين في الإجمال. لكن نما لديهم شعور بأنهم أصحاب حق في هذا الإطار، ومن السهل أن نرى كيف حصل ذلك: إنه الحسد من زملائهم في الجامعة الذين يجنون الكثير في مجال الأعمال أو الطب؛ والتباهي المشفّر في مجلس العموم بالنفقات الذكية؛ والنصائح المفيدة للنواب الجدد لتلقينهم أصول النيابة؛ ومزيج من المخصصات الغامضة التي أجازت الحكومة أن تظهر كبديل من الزيادات في الرواتب التي تخوفوا من اعتراض الناخبين عليها. وأكثر ما يثير الجدل هو حق النواب غير اللندنيين إنفاق 24 ألف جنيه استرليني (36 ألف دولار) في السنة على إقامتهم بعيداً من منازلهم.
إنها غلطتكم لا غلطة المنظومة
لقد أسيء استعمال المنظومة. لا يعتبر الناس أن النواب من خارج لندن يجب أن يناموا في الشارع، لكنهم يتذمرون من تزويدهم بعاملات تنظيف وأجهزة تلفزيون مسطّحة الشاشة، وهي أمور يرغب كثر في أن يتمكنوا من شرائها لأنفسهم. ويمقتون رؤية بعض النواب يشترون أملاكاً ويرمّمونها ويبيعونها على حساب المكلفين (وهذه جريمة شنيعة في بلد حيث منزل المرء ليس قلعته وحسب إنما أيضاً معاشه التقاعدي).
يجب اتخاذ إجراءين الآن. الأول هو معاقبة المذنبين. يجب تجاهل الأعذار التي تلقي اللوم على "المنظومة". النواب هم الذين وضعوا القوانين. وبعضهم لا يستغلّونها إلى أقصى الحدود. لا أحد يملأ جيوبه مكرهاً. ولذلك يجب أن تسقط رؤوس، وأولها رأس تلك المنظومة، رئيس مجلس العموم الذي تعامل بطريقة مخزية مع الواقعة بكاملها معتبراً أنها تشكّل تعدياً سافراً على خصوصيته [استقال مايكل مارتن أول من أمس من منصبه].
المهمة الأصعب هي تصميم منظومة جديدة. هناك ثلاثة بدائل في شكل عام. البديل الأول هو التخلي عن المنزل الثاني الذي يُخصَّص للنائب وزيادة رواتب النواب من 25 ألف إلى 30 ألف جنيه استرليني. يملك هذا البديل سحر البساطة، لكن قد يتبين أنها طريقة غير مباشرة لإضفاء شرعية على المراوغات الحالية، مثل وضع النائب أموال المنزل الثاني في جيبه بينما ينام مع أفراد عائلته. المقاربة الثانية هي دفع راتب مقبول للمشترعين وتوفير إقامة من دون إيجار لمن يعيشون بعيداً من العاصمة، كما يحصل في السويد. والنواب الذين يفضّلون امتلاك منزلهم الخاص يحصلون على إعانة صغيرة إنما لا يحصلون مطلقاً على أثاث وأموال لتجديد المنزل وما شابه. قد يثير هذا الحل الذي يذكّر بالمدرسة الداخلية الحنين لدى البعض، لكنه صارم جداً على الأرجح لورثة ميثاق "الماغنا كارتا”.
الاقتراح الثالث الذي يقدّمه الديموقراطيون الليبراليون في بريطانيا هو منح النواب الذين يقيمون خارج لندن، مساعدة محدودة في استئجار منزل ثانٍ أو شرائه، إنما وضع اليد على أي ربح محتمل (أو خسارة) في الملكية. لن يكون هذا شيكاً على بياض لتمويل أنماط الحياة، بل يسمح بتسديد تكاليف صيانة الملكية التي هي في شكل أساسي ملك للمكلّف. إنها مقاربة يمكن أن يعتمدها السير كريستوفر كيلي بطريقة مفيدة في تقريره المستقل عن النفقات البرلمانية المرتقب صدوره هذه السنة.
يتركنا هذا أمام سؤال أكثر أساسية: هل يتقاضى النواب البريطانيون رواتب أقل مما يستحقون؟ وفقاً لأسعار الصرف الحالية، يتقاضى المشترعون البريطانيون رواتب أقل بكثير من نظرائهم الأميركيين، وأقل من بعض الأوروبيين وأكثر من سواهم. رواتبهم أقل من رواتب المصرفيين الذين تم إنقاذهم مالياً، أو من أطباء العائلات الذين يتقاضون أتعاباً أكبر من اللازم، أو موظفي الخدمة المدنية الذين يديرون أقساماً كبيرة، أو حتى بعض الصحافيين. غير أن راتبهم الأساسي الذي يبلغ 64766 جنيهاً استرلينياً في السنة يجعلهم ضمن فئة الأربعة في المئة من الموظفين الذين يتقاضون الراتب الأساسي الأعلى؛ ويحصلون على مبالغ تتراوح من 50 إلى 100 في المئة من الراتب عند تركهم النيابة؛ ومعاشاتهم التقاعدية أكبر من المعاشات التقاعدية لباقي الموظفين في القطاع العام. ليس هناك نقص في الأشخاص الذين يرغبون في أن يكونوا نواباً. كما أنه ليس واضحاً أن جرّاحي الدماغ يجيدون إقرار تشريعات مناسبة أكثر مما يفعل الأشخاص العاديون الذين يتحلون بالشجاعة وحس المنطق. لا حاجة إلى منح النواب زيادة في الرواتب إلى جانب الزيادة السنوية المتعارف عليها (2.3 في المئة) التي يحصلون عليها الآن. عام 1931، عندما كان أداء الاقتصاد البريطاني شبيهاً إلى حد كبير بالأداء الحالي، خُفِّض راتب النواب بنسبة عشرة في المئة.
إذا أرادت بريطانيا استقطاب صنف أفضل من النواب، الإصلاح المؤسسي هو إجراء أكثر فاعلية من زيادة الرواتب. البرلمان الأقوى هو الذي يقوم بعمل أفضل وأكبر – ويجد وقتاً أقل للنفقات التافهة.
("الإيكونوميست" ترجمة نسرين ناضر)




















