باكراً وصلت سفن باراك أوباما الى أرخبيل الصخور الاسرائيلية. وهذا يعني انه عندما سيصل الى القاهرة في الرابع من حزيران المقبل لإعلان الخطوط العريضة لخطة التسوية الشاملة التي تعدها ادارته منذ اسابيع لإرساء السلام في الشرق الاوسط، فانه سيجد في اسرائيل آذانا صماء وعقولا مقفلة.
ستكون اذاً رحلة الخيبة، او خطة الخيبة الكبرى، وخصوصا بعد كل ما اعلنه الرئيس الاميركي من ان التسوية في الشرق الاوسط ضرورية للامن القومي الاميركي، وهو كلام لم يسبق ان قيل مثله منذ ستين عاما تقريبا، ويشكل في جوهره ومعناه تغييرا جذريا في سياسة اميركا حيال القضية الفلسطينية وازمة الشرق الاوسط عموما.
❒❒❒
لقد رافقت زيارة بنيامين نتنياهو قبل اسبوعين الى البيت الابيض صرخات اسرائيلية تدعو أوباما الى اتباع سياسة حازمة معه، كي يستجيب الشروط التي تساعد في ارساء التسوية، وفي مقدمها الموافقة على اقامة الدولتين، وقبول انهاء النزاع الاقليمي على قاعدة القرارات الدولية والمبادرة العربية.
واذا كان استطلاع "هآرتس – ديالوغ" قبل ايام قد اظهر ان 57 في المئة من الاسرائيليين يدعون نتنياهو الى قبول مبدأ الدولتين، وبين هؤلاء نسبة 40 في المئة من الليكود، فإن جدعون ليفي كتب في "هآرتس":
ان اسرائيل لا تفهم الا لغة القوة، فمزيدا من القوة يا اوباما من فضلك، وان الرئيس الاميركي الذي يعتبر صديقا حقيقيا لاسرائيل، مخول لا بل ملزم بممارسة الضغط عليها. اسرائيل هي دولة محظية ادمنت الاحتلال، والادمان يزول بالطرق الصعبة. والصديق الحقيقي هو الذي يساعد المدمن على الاقلاع عن ادمانه!
لكن نتنياهو ذهب الى واشنطن وعاد من دون ان يلفظ كلمة دولتين، واول من امس كرر تأكيد تمسكه بالاستيطان وجدد رفضه قيام دولة فلسطينية، وهو ما يدفع فعلا الى طرح اسئلة استباقية:
اذا كان الامر على هذا النحو، فلماذا يأتي اوباما لاعلان خطته المرفوضة في اسرائيل؟ واذا كانت عصابة الثلاثة – نتنياهو ليبرمان باراك –، والاخير ذاهب ايضا الى واشنطن قبل مجيء اوباما، ستفشّل خطة الرئيس الاميركي الذي يربط التسوية بالامن القومي الاميركي، فالى متى تستطيع واشنطن ان تقبل هذه الغطرسة؟
❒❒❒
لكن السؤال الأدق وربما الاهم يفترض ان يوجّه الى العواصم العربية والى الجامعة العربية ومؤسسة القمة وهو:
للمرة الاولى تتجه اميركا الى الصدام مع اسرائيل حول القضية الفلسطينية وتسوية ازمة الشرق الاوسط. فماذا فعلنا؟ وماذا علينا ان نفعل الآن لترسيخ هذا الخلاف الذي يظهر اسرائيل على حقيقتها كدولة احتلال واستيطان وتوسّع ترفض التسوية وتتنكر للسلام، وتخلق البيئة الملائمة لنشوء مشاعر الاحباط والكراهية، وما يتولد منهما على صعيد العنف؟
لقد دأب العدو الاسرائيلي على تصوير العرب كأنهم لا يملكون افقا للسلام، وانهم دعاة حرب وكراهية، بينما تقوم اسرائيل بحماية مصالح الغرب في هذه المنطقة الحيوية من العالم. ولكن مع اتساع الخلاف الاميركي – الاسرائيلي الآن، وفي ضوء "مبادرة السلام العربية"، وبعد الاصطدام الاكيد بين ادارة اوباما وحكومة تل ابيب، تتوافر فرصة نادرة وغير مسبوقة تسمح بكشف حقيقة الكيان الصهيوني امام الرأي العام العالمي، وتتيح للعرب الحصول على دعم هذا الرأي العام ومساندته، بعدما كانت اسرائيل قد استأثرت به منذ ستة عقود، فماذا نحن فاعلون؟
❒❒❒
من الواضح والمفهوم سلفا ان خطة اوباما للتسوية تنطوي في بعض تفاصيلها على بنود وافكار لا تلائم الحقوق الفلسطينية والعربية، وخصوصا في ما يتصل بشكل الدولة الفلسطينية المقترحة، وبوضع اللاجئين، وحق العودة، وبمسألة الاستيطان، والتطبيع. لذلك يراهن نتنياهو على ان يأتي رفض خطة اوباما من الفلسطينيين والعرب اولا. انه يعتمد على الرفض العربي لكي يحمّل الدول العربية مسؤولية افشال اوباما، في وقت تتزايد المؤشرات والمواقف المتناقضة بينه وبين الادارة الاميركية، وهو ما يفرض علينا ولو لمرة ان ندع عصابة الثلاثة في اسرائيل تنزلق الى الخلاف مع الادارة الاميركية، ليكون الفشل صناعة اسرائيلية كما هو عادة ولكن مع فارق مهم هو ان يكتشف الاميركيون والعالم ان دولة الاحتلال والعدوان والتوسع هي التي تفشّل التسوية وترعى حاضنة العنف والارهاب في المنطقة والعالم.
❒❒❒
عندما يخرج وفد من الكونغرس الاميركي ويرأسه غاري اكرمان، وهو يهودي ديموقراطي من اشد مؤيدي اسرائيل، عندما يخرج هذا الوفد حانقا من سلسلة لقاءات في تل ابيب، لان نتنياهو يتمسك بالاستيطان ويرفض قيام الدولة الفلسطينية والمبادرة العربية للسلام، فان ذلك يؤكد الاتجاه الى وقوع خلاف حقيقي بين واشنطن وتل ابيب على العرب ان يستغلوه جيدا، وألا يتسرعوا الآن بإعطاء نتنياهو فرصة اتهامهم بافشال اوباما، اذا سارعوا الى استهداف مشروعه للتسوية الشاملة، وهم يملكون اصلا من الوقت ما يساعدهم فعلا على جعل اسرائيل تصطدم باميركا ولو لمرة!
راجح الخوري
rajeh.khoury@annahar.com.lb




















