محمد نور الدين – السفير
على الرغم من أن الأمور لم تُحسم بعد، فإن ما يجري في تركيا بشأن قضية تنظيف الحدود مع سوريا من الألغام يشبه إلى حد كبير ما جرى مع حكومة عبد الله غول عام 2003، وكان رجــب طــيب اردوغان حينها رئيسا لحزب العدالة والتنمية، حين رفض مئة من نــواب الحزب مذكرة الحكومة للمشاركة في غزو العــراق، في ما أصـبح يعـرف بـ «مذكــرة الأول من آذار».
وكان ذلك التمرد الأول الذي يواجـهه اردوغان داخل الحزب، وكان المحرض عليه رئيس البرلمان حيـنها ونائب رئيــس الحكومة الحالي بولنت ارينتش.
اليوم يتكرر السيناريو نفسه. الحكومة تريد استصدار قانون من البرلمان يسمح بإجراء مناقصة لتلزيم شركة واحدة نزع الألغام واستثمار الأراضي على الحدود مع سوريا.
لكن الجلسة العامة للبرلمان لم تستكمل، وغاب عدد كبير من نواب حزب العدالة والتنمية عن الجلسة، وكان أن أنهت رئيسة البرلمان بالوكالة ميرال أقشينير الجلسة، ورفعـتها بعد أن تقرر إعادة الموضوع إلى اللجان المشتركة.
شبّه الكثير ما حدث بأنه «مذكرة أول آذار أخرى»، إذ إن اردوغان كان شدد على نواب حزبه الحضور ومواصلة النقاش، ولو إلى الصباح، إلى حين إقرار مشروع القانون. لكن غياب العديد من نواب الحزب، وتردد البعض الآخر، فضلا عن مناهضة المعارضة له، أفضى إلى ما يشبه النكسة لمشروع اردوغان.
وكان وزير الدفاع وجدي غونيل قد ابلغ نواب الحزب، في محاولة لإقناعهم، بأن رئاسة أركان الجيش لا تعارض مثل هذه المناقصة. مع ذلك لم تنجح كل هذه المساعي والضغوط في تمرير مشروع القانون.
واللافت في هذا الموضوع أن الاعتراض قد جاء من داخل البيت الحزبي والمؤيد له. فمن صحيفة «يني شفق» وحدها المؤيدة لحزب العدالة والتنمية انتقد أربعة صحافيين مشروع القانون، كما انتقده كتّاب بارزون آخرون وإسلاميون.
مشروع القانون المؤلف من ست مواد طرح أمس الأول على التصويت مادة مادة، على الهيئة العامة للبرلمان. أقرت أربع مواد، فيما ألغيت الجلسة قبل الوصول إلى المادتين الأخيرتين، قبل أن يتقرر إعادة المشروع إلى اللجان المشتركة.
المهم هنا أن المواد التي أقرت قد وافق عليها عدد قليل من النواب، تراوح بين 187 و194، وكانت موافقة 184 نائبــا كافيــة. لكن الملاحظ أن حوالى 150 نائبا من الحزب قد تغــيبوا، وما يعنيه ذلك مـن معارضــة ضمنية للمشروع.
وذكرت صحيفة «راديكال» أمس أن فشل البرلمان في إقرار الاقتراح كان بسبب الغموض الذي يحيط بالقضية، التي لم يجد نواب الحزب الحاكم جوابا عليها. من ذلك لماذا الإصرار على إصدار قانون، في حين يمكن إجراء ذلك عبر مناقصة عادية؟.
ثم إن نواب الحزب عن المناطق الحدودية يواجهون انتقادات من سكان تلك المناطق، فمثلا لماذا تعطى الأراضي التي ستنظف من الألغام إلى شركات أجنبــية، وليــس مثلا تمليكــهم هــم إياهــا ليزرعــوها ويعيـشوا منها؟.
ومن أسباب اعتراض بعض نواب الحزب، كما تقول الصحيفة، الاحتجاج على الطريقة التي تم بــها التعديل الحـكومي الذي حصل قبل اقل من شهر.
وترى الصحيفة أن عدم تحديد شركة إسرائيلية بالاسم لم يلغ الشائعات بإعطاء المناقصة لشركة إسرائيلية. فقد فك نواب الحزب «الشيفرة» عندما ذكر اردوغان اسم «اسحق» (اليهودي) للدلالة على أن العاملين في الأراضي لن يكونوا أجانب، بل سيكونون محمدا واحمد وحسنا وفاطمة وما شابه. هذا إضافة إلى أن هذا الموضوع قد أثير قبل سنوات، وفي الاتجاه ذاته، أي إعطاء التلزيم لشركة إسرائيلية.
وقد حاول اردوغان التخفيف من تداعيات هذه القضية بالقول إن مدة تأجير الأراضي للشركة الأجنبية، التي سترسو عليها المناقصة، وهي 44 عاما، ليست نهائية وقابلة للتخفيض.
لم ينجح اردوغان حتى الآن في تمرير المشروع، والبعض يرى أن إعطاء نزع الألغام، كما استثمار الأراضي للشركة ذاتها، هو واحد من أسباب المعترضين الذين يدعون إلى إجراء مناقصتين منفصلتين، واحدة لنزع الألغام وثانية لاستثمار الأراضي، ويكون لكل مهمة شركة مختلفة.
ويرى فهمي قورو، الكاتــب المعــروف والمقرب جدا من غول، أن بعض النواب لا يريدون إتعاب أنفسهم، لأنهم يعتقدون أن مثل هذا القانون ستعترض عليه المحكمة الدستورية لأســباب متعددة، وبالتالي لا حاجة لهدر الجهد. كما أن سكان المناطــق الموبــوءة بالألغــام يســألون عن الجهة التي «ستباع» إليها الأراضي، والثــمن الذي ســيدفع. وفــي ظل مثل هذه الأسئلة لا يريد النواب القيام بأية خطوة ضد رغبة الــسكان المحليين.
ويقول قورو إن هناك نقطتين لم يستطع احد فهمهما: الأولى لماذا لا يكلف الجيش التركي أو أي شركة تركية مهمة نزع الألغام؟. والثانية انه لماذا يراد إعطاء مهمة نزع الألغام واستثمار الأراضي لشركة واحدة؟ ويضيف أن أفضل من ينزع الألغام هو من كان زرعها أي الجيش، لكن الجيش يقول انه لا يملك القدرات التقنية لذلك. أما الحكومة فتبدو على تعارض مع قواعدها في هذه النقاشات الدائرة.
ويوضح قورو انه لم يشهد منذ مــدة طويــلة هذا التوتر داخل حزب العدالة والتنمية، وعلى الحزب أن يعثر على مخــرج عاجل جدا قبل أن يدفع ثمنا غاليا لهذا المأزق. ويقترح على الحكــومة أن توكل مهمة نزع الألغام إلى شركة مختصة بالصــناعات الدفاعية، مع مشاركة فاعلة للجيش التركي، فيما تمنح شركات تركية، وهي كثيرة مهمة استثمار الأراضي.
ويتهم فكرت بيلا، في صحيفة «ميللييت»، وزارة الدفاع بالتعمية على الموضوع والكذب على الناس، وعدم الشروع بخطوات محددة، مفضلة إبقاء الموضوع في دائرة الشائعات. ويقول انه ربــما يكون وراء هذا عدم رغبة الوزارة في انجاز هذه المسألة، مقترحا عليها تأسيس هيئة وطنية لنزع الألغام.
في خضم النقاشات التي تدور كان زعيم حزب الشعب الجمهوري دينيز بايكال يقوم بجولة في جنوب شرق تركيا، وقد أطلق نداء إلى السكان هناك بأن يرفضوا تطبيق أي قانون يمكن أن يصدر بهذا الشأن إلى أن تبطله المحكمة الدستورية.




















