بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وحكومة نتنياهو، ما يعتبر سياسة تكسير الأصابع أي إن الوعود التي قطعها بتغيير السياسة الأميركية من خلال نفض الغبار عن الواجهات والعمق الذي درج عليه الرؤساء السابقون، يوجب أن تخرج من دوامات الحروب والقطبية الأحادية التي تتصرف بغرائزها لا بحس المسؤولية، ولعل التأكيدات التي أوضحتها هيلاري، ثم الرئيس أوباما عن توقيف الاستيطان بدون استثناء، هي مقدمات ربما تنكشف أثناء زيارته للمنطقة ومخاطبة العالم الإسلامي من القاهرة، ولعلها الخطوة الأولى التي يعتمدها رئيس أميركي بحسب المسؤولية..
لا نعتقد أن أوباما أراد تحدي إسرائيل، أو إيقاف دعمها كأهم حليف في المنطقة، لكنه انطلق من رؤية دققها وحللها مستشاروه وأعضاء حكومته، والسبب لا يعود إلى إثبات النهج الذي استمر بتأييد إسرائيل ظالمة أو مظلومة، وإنما لأن الاستمرار بعداء مليار مسلم يتفقون جميعاً أن وسيلة التقارب وإزالة الخلافات تبدأ من فلسطين وليس غيرها، وعملياً لا تستطيع تحمل التكاليف المادية والسياسية في منطقة تجد أن مصالحها تفوق ما تحصده وتجنيه من إسرائيل، ثم إن العوامل الدولية والتركيبة الجديدة لعالم يتشكل من قوى قادمة، ولديها ما تعطيه وتأخذه، فالموقف الأمريكي لا يمكن أن يبقى على ثباته طالما الحاجة تستدعي المراجعة ورسم الخطوط العريضة لسياسة تقوم على المعادلات الحسابية بالكسب والخسارة..
إسرائيل لن تستكين، فسوف تحرك قواها في الداخل وفي العمق الأميركي، غير أن الظرف الزمني قد لايساعدها بأن تقرر سياستها من خلال بعدها الواحد، خاصة وأن الأزمة المالية الراهنة أوجبت اختزال العديد من الكرم الأميركي تجاه إسرائيل، وأن مخلفات الرئيس بوش الابن لا تزال آثارها المدمرة قائمة، ومن هذه الأسباب وجد أوباما ضرورة المباشرة بالمهم على الأهم أي إن التخلي عن الواقعية السياسية بما يخدم أميركا أولاً، لا يمكن وضعها في السلة الثانية أمام ما تأخذه إسرائيل، وترفض أن تكون عوناً للحليف الأكبر..
لقد درجنا بأدبياتنا السياسية ورؤيتنا لأميركا، أن من يقرر ويصنع القرار في حالات الصراعات القائمة إسرائيل، وليست الدولة العظمى، وهذا غير صحيح لأن تلاقي المصالح أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي والأنظمة شبه التابعة له عربياً، هي التي فرضت تلك الاتجاهات، أما وأن الأمور تغيرت وصار العرب يتجهون لأميركا أكثر من غيرها، فلابد من خلق مفاهيم جديدة تراعي الحساسيات والمطالب، وأنه من غير المنطقي أن تشجع السياسة الأميركية قوى التطرف من خلال مزاولتها أعمالاً تعاكس الإرادة العربية وتثير مشاعر المسلمين بكل طوائفهم وانتماءاتهم..
البدايات، من وجهة النظر العربية جيدة، لكن الشكوك تبقى قائمة باحتمال انقلابها إلا أن من يقرأ الخارطة العالمية ويدقق بنتائجها، يجد أن أميركا هي أكبر من يؤثر ويتأثر بأي حدث، وبالتالي، فمبدأ التغيير بات ضرورياً لا اختيارياً..




















