لا تكمن أهمية الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان مساء الأربعاء في جبيل في الذكرى الأولى لتسلمه الرئاسة، في ما تضمنه الخطاب من مواقف "مبدئية" فقط، إنما في كون هذه المواقف تشكل مخرجاً ميثاقياً ـ دستورياً ـ سياسياً من الأزمة "المتوقعة" بعد 7 حزيران.. بعد الإنتخابات النيابية المقبلة.
سليمان يطرح عملياً الدور "المرجّح"
ثمّة في الخطاب الرئاسي عنوانان رئيسيّان. الأول تحديدُه "معنى" الرئيس التوافقي، وذلك في قول سليمان إن دور الرئيس التوافقي "التوفيقي" ليس إدارة التوازنات "بل بلورة الحلول المتوازنة وفرض التوازنات". والثاني تشديده على أن هذا الدور يقتضي "تمكين الرئيس من الفصل في أي خلاف وبتّه".
إن الرئيس سليمان إذ يدعو الى تمكين رئيس الجمهورية من فرض التوازنات ومن بلورة الحلول، جنباً الى جنب مع رفضه المطلق والصريح لـ"المثالثة" التي لا وجود لها في الميثاق"، ومع رفضه المطلق والصريح أيضاً لـ"الثلث المعطل" على قاعدة أن "الجزء لا يضمن الكل بل العكس هو الصحيح"، إنما يقترب ـ أي الرئيس ـ من مقولة "الرئيس المرجّح" تمكيناً له من "التحكيم" و"التوفيق" معرّفَين على أنهما "فرض التوازنات" المؤاتية لـ"الحلول المتوازنة".
"توازن الحل" لا "توازن القوى"
الدور المرجّح هو ما يدعو اليه ميشال سليمان. أما "الترجمة" العملية لذلك فلم يشأ اقتراحها مباشرة. بيد أنه من الواضح تماماً أن "الترجمة" لا بد أن تكون حاضرة لدى إنطلاق البحث في تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات أو أثناء هذا البحث.. وربما قبله.
إن ما يقترحه سليمان هو قيام "حكومة ميثاقية ضامنة"، وهو دورٌ مرجح للرئيس بغية تمكينه من "فرض التوازنات".. التوازنات المتعلقة بـ"الحلول".. و"الحلول" المتعلقة بملفات. أي أن ما يطلبه الرئيس ليس "فرض" توازن سياسي وطني ـ لا يتشكل إلا ديموقراطياً ـ بل فرض توازن الحل في هذا الملف أو ذاك تباعاً وفي إطار توفيقي.. أي تسووي.
سارعت قوى 14 آذار الى الترحيب بما طرحه رئيس الجمهورية. والترحيب إستند الى اقتراب الطرح الرئاسي من مقاربة 14 آذار من جهة والى مبادرات سابقة تبنت فكرة "الترجيح" من جهة أخرى. ذلك أن "الترجيح" لرئيس الجمهورية ورد في مبادرة أطلقها رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في إحدى مراحل الأزمة عام 2008، كما ورد في المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية.. قبل أيار 2008 والدوحة.
"الترجيح" ليس "الثلث المعطل"
حتى إن الترحيب بطرح الرئيس سليمان بلغ حداً "إستثنائياً" على ألسنة قياديين 14 آذاريين ذهبوا الى الإستعداد لأن يكون لرئيس الجمهورية "الثلث المعطل" في حكومة ما بعد الإنتخابات. وهذا ما لا يطلبه سليمان أصلاً. ذلك أن موقفه الرافض لـ"الثلث المعطل" قاطعٌ وحازم. وهو في مجال تأكيد حرصه على قيام حكومة ميثاقية جامعة ضامنة بعد الإنتخابات، لم يكتفِ بالمطالبة باحترام نتائج الإنتخابات، لكنه دعا أيضاً الى احترام "اللعبة الديموقراطية" التي تفترض وجود أكثرية وأقلية.
إذاً رحّبت 14 آذار "الى حدّ الثلث المعطل". أما فريق 8 آذار، فقد إختار تجاهل خطاب الرئيس حتى الآن، فيما واصل ـ تزامناً ـ العزف على الأوتار نفسها، وعلى المقولات ذاتها، والشعار نفسه: "الجمهورية الثالثة"!
طرح سليمان مرتبط بفوز 14 آذار
بين ترحيب 14 آذار من ناحية وتصرف 8 آذار وكأن خطاب سليمان لم يكن أصلاً من ناحية ثانية، ثمة إستنتاجان "طبيعيان".
الإستنتاج الأول هو أن "مصير" ما طرحه رئيس الجمهورية في خطابه مرتبطٌ إرتباطاً وثيقاً بفوز 14 آذار بالغالبية النيابية مجدداً مساء 7 حزيران.. أو بفوز 14 آذار والمستقلين معاً بالأكثرية البرلمانية.
وإذا كان الإستنتاج الأول يبدو بديهياً، فإن الإستنتاج الثاني الذي لا يقلّ بديهية هو أن "العلاقة" بين الرئيس و8 آذار محاطة بتأزّم شديد قد يكون مرشحاً للإحتدام بعد 7 حزيران.
"حزب الله" والإنتخابات "الوجودية"
في هذا المجال، ثمة قوسان لا بد من فتحهما.
بعد أن كان "حزب الله" يسخرُ من وصف 14 آذار للإنتخابات بأنها "مصيرية" مكتفياً بإعتبارها "عادية"، وفيما كشف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مصيرية الإنتخابات اللبنانية بالنسبة الى مشروع إيران الإقليمي، يتبيّن أكثر فأكثر في الأيام الأخيرة أن "حزب الله" يكاد يتعاطى مع الإنتخابات على أنها "وجودية".
وواقع الأمر هنا، أن لتعاطي الحزب مع الإنتخابات على أنها "مسألة وجودية"، علاقةً بتقديره أنه يمرّ حالياً بمرحلة وجودية بكل ما للكلمة من معنى، سواء تعلّق الأمر بإيران ومصير مشروعها الإقليمي و"أوراقه" أو تعلّق بالمواجهة مع إسرائيل أو تعلّق بـ"المشكلة" مع الوضع العربي هنا وهناك.. أو تعلّق بأزمة العلاقة الشيعية ـ السنية عموماً وأزمة علاقته هو بالبيئات الطائفية المختلفة.
إن المقصود قوله هو إن "حزب الله"، إذا كان يرى الى الإنتخابات على أنها "وجودية"، سوف يتمسّك بـ"الثلث المعطّل" له ولفريق 8 آذار.. أي أنه وضع نفسه بين إحتمالين لا ثالث لهما: إما انتصار إنتخابي وإن لم يتحقق فـ"ثلث معطّل".
حوار الإثنين وفرصة التسوية
ومع أن هذا "التقدير" يستند الى مواقف الحزب وأدائه الى الآن، فإن الوقت لم يفُت بعد للسعي الى تجاوز "الشرور".
وثمة في هذا الإطار فرصةٌ مناسبة. وهي تتمثّل في الجولة المقرّرة للحوار الوطني بعد غد الإثنين.
سبق للحوار في جولات سابقة في بعبدا أن تناول الإنتخابات من زواياها الأمنية والسياسية. وليس ما يمنع، بل هناك ما يوجب، أن تكون أفكار الرئيس أي مواقفه الأخيرة على الطاولة، لأن هذه الأفكار ـ المواقف تمثّل مشروع تسوية جديّة. وهي تسويةٌ جدية لأنها تستطيع أن تكون مظلّة آمنة للإنتخابات وأمانها، ولأنها مخرجٌ ميثاقي ـ دستوري ـ سياسي لما بعد الإنتخابات. فهل تكون طاولة الإثنين المقبل الواحد من حزيران "محطّة حلّ" بالفعل؟




















