يبدو أن السجون المنزلية باتت تشكل ظاهرة عالمية بعد الكشف عن عدة حوادث في عدد من الدول الغربية، غير أن الجديد في الأمر انتشارها في مجتمعاتنا العربية، فقد تم الكشف مؤخرا عن عدة حوادث في سوريا، ويخشى المراقبون أن تتحول تلك الحوادث إلى حالة تقلق المجتمع والسلطات معا بعد ظهور حالات جديدة في مدن سورية عدة.
فقد عثرت قوات الأمن المحلية مؤخرا في إحدى القرى التابعة لمدينة ادلب (شمالا) على فتاة تدعى سمر (20 عاما) في غرفة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار، سجنها فيها والدها منذ عشر سنوات. والسبب يعود لوفاة والدة سمر قبل 10 سنوات ولجوء الأب إلى سجنها في غرفة مظلمة تفتقر لجميع الشروط الصحية، بسبب الضغط المتكرر من زوجته التي رفضت أن تعتني بها.
في ذات السياق، لم تشفع الإعاقة للطفلة منال «10 سنوات» التي تعاني شللا دماغيا، دون أن تتحول هي الأخرى إلى نزيلة «السجن المنزلي»، بعد لجوء والدها لسجنها في غرفة صغيرة مظلمة.
وعثرت قوات الأمن السورية في قرية الكريم غربي مدينة السلمية على فتاة أخرى في حجرة مجاورة لمنزل والدها، والغريب أن الأب اعترف بتقييد ابنته وسجنها لمدة 8 سنوات في غرفة منفردة، مبررا ذلك بأنها «غير واعية، وكان يخاف من هروبها خارج المنزل».
مجرد فرقعة إعلامية
وتعددت الآراء حول أسباب نشوء هذه الحوادث، حيث يردها البعض إلى العادات والتقاليد البالية بينما يعتقد الآخرون أنها نتيجة مشاكل اجتماعية عارضة، فيما يرفض البعض الآخر تصديقها معتبرا ذلك مجرد «فرقعة إعلامية».
محمد حيدر (موظف) يؤكد أنه سمع بقصص مشابهة منذ زمن بعيد، مشيرا إلى أن الظاهرة ليست غريبة على بعض المجتمعات النائية في سوريا، والتي لا تزال متمسكة بعادات وتقاليد بالية تعتبر الأنثى «ضلعا قاصرا»، وهي برأيه امتداد لتقاليد الجاهلية المتعلقة بوأد الأنثى.
ويطالب حيدر بأقصى العقوبات على الجاني الذي يصفه بأنه لا يمتلك أي حسّ إنساني، مشيرا إلى أن ذلك قد تمنع وقوع حوادث.
ليلى سعيد (طالبة إعلام) لا تنفي وجود هذه الحوادث، لكنها ترفض تسميتها بـ «ظاهرة»، مشيرة إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية تحاول كسب المزيد من الجمهور عبر إحداث «فرقعة» حسب تعبيرها، بدليل أن الحوادث أحدثت جدلا كبيرا في الشارع السوري، فضلا عن الكمّ الكبير من التعليقات التي نشرت في عدد من المواقع الإلكترونية السورية.
المحامي فادي أحمد يشير إلى وجود قضايا مشابهة من حيث لجوء أحد الوالدين لتعذيب أحد أبنائه نتيجة وجود عاهة خلقية لديه، ويردّ ذلك إلى عدد من الأسباب، أبرزها الضغط الذي تمارسه زوجة الأب للتخلص من أبنائه، إضافة إلى وجود رواسب لدى بعض الأسر في المناطق النائية تتلخص بوجود «معتقدات لدى الأهل بوجود جان متلبّس بالابن، لينتهي بهم الأمر إلى أحد المشعوذين الذي يزيد الطين بلة وقد يؤدي إلى جنون الابن».
لا يمكن اعتبارها ظاهرة اجتماعية
الباحث الاجتماعي الدكتور طلال مصطفى يقول في قراءته للحوادث السابقة «أعتقد أن ثمة حالة مرضية عند الأب وزوجته، ولو أني مندهش من قيام شخص لديه حس أبوي بهذا التصرف، لأنه أمر مستغرب في علم الاجتماع، ولكن ثمة مبرر أجده منطقيا ـ نوعا ما ـ وهو وجود أغلب هذه الحوادث في مناطق ريفية بدوية، إضافة إلى كون الفتاة في أغلب الحالات مُعاقة، وعادة في هذه المجتمعات ثمّة رواسب مستمرة من الماضي، حيث كان الطفل المعاق عادة ما يتم التخلص منه بطريقة ما تنتهي بموته، ونلاحظ أن الأهل هنا اختاروا التخلص من الفتاة عن طريق حبسها وعدم إظهارها أمام المجتمع المحلي».
غير أن مصطفى الذي يُقر بوجود مثل هذه الحالات في عدد من المجتمعات، يؤكد أنه من الخطأ اعتبارها ظاهرة اجتماعية في سوريا ، مبررا ذلك بأنها «قليلة جدا في المجتمع السوري ولا نستطيع تعميمها على كافة الأسر التي تحدث فيها حالات طلاق وزواج ثانٍ». ويضيف: «أعتقد أننا نستطيع بالدراسة المعمّقة لشخصية الأب والزوجة المرضيّة أن نتوصل إلى العوامل الاجتماعية والنفسية التي قادتهما إلى ممارسة العنف بكافة أنواعه (الجسدي والمعنوي والنفسي)، بحيث لم يبق لديها أي جانب إنساني للتعامل مع الضحية».
ويقول مصطفى إن الحالات السابقة كانت موجودة بشكل أكبر في المجتمع السوري في مرحلة الخمسينات والستينات، لكن لم يتم الكشف عنها، مشيرا إلى أنه «بسبب التقدم التقني في العصر الحالي، وإمكانية التواصل الاجتماعي والمعرفي بتنا نسمع بهذه الحالات بشكل أكبر، لكنها تحظى عادة بمزيد من الاستهجان والرفض الاجتماعي والإنساني، نتيجة انتشار ثقافة حقوق الإنسان ونشوء المنظمات الأهلية التي تناضل ضد العنف بجميع أشكاله».
دمشق ـ حسن سلمان




















