تشهد الساحة الفلسطينية هذه الايام حربا كلامية شرسة بين طرفي المعادلة السياسية الابرز اي حركتي ‘فتح’ و’حماس’، تستخدم فيها الفاظ واتهامات غير مسبوقة تخرج عن ادب الخلاف، وتتسبب في حفر جروح غائرة تجعل من امكانية المصالحة في المستقبل شبه مستحيلة.
نحن نشير هنا الى التلاسن الخشن الذي وقع في اليومين الماضيين بين السيدين سعيد صيام وزير داخلية الحكومة المقالة، واحمد عبد الرحمن المتحدث باسم حركة ‘فتح’، ونعترف ان الاخير فاجأنا بتوجيه اتهامات واستخدام عبارات لم نعهدها في ادبيات الخلاف الفلسطيني، بل في ادبيات السيد احمد عبد الرحمن نفسه وهو الشخص الخبير والمخضرم وصاحب الباع الطويل في الإعلام الفلسطيني.
لا نريد تكرار العبارات والجمل المستخدمة في هذا السجال العقيم الذي يوسع الشرخ الحاصل حاليا في الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويصب في تعميق حالة الاحباط التي يعيشها الشعب الفلسطيني حاليا بسبب انهيار الحوار بين الفصائل في القاهرة، وعدم وجود اي بادرة امل بعقده في المستقبل القريب، والمأمول ان يترفع المسؤولون في الطرفين عن الاتهامات والالفاظ القاسية، وان يعقدوا هدنة في ما بينهم، تماما مثلما يهادنون الاسرائيليين على الاقل.
السلطة في رام الله يجب ان تفرج عن المعتقلين السياسيين من حركة ‘حماس’ في اسرع وقت ممكن، لان نفي وجود هؤلاء بالطريقة التي سمعناها، لا يستند الى الحقائق على الارض، فهناك اكثر من 300 معتقل من حركة ‘حماس’ في سجون السلطة، والعدد في تزايد مستمر، وعدم الافراج عن هؤلاء لعب دورا اساسيا في انهيار حوار القاهرة.
في المقابل تتسم بعض ممارسات حركة ‘حماس’ في قطاع غزة تجاه انصار منافستها حركة ‘فتح’ بالكثير من الاستفزاز غير المبرر، بل وغير المنطقي، وتكفي الاشارة الى اقدام شرطة ‘حماس’ على منع الاحتفالات بالذكرى الرابعة لوفاة الشهيد ياسر عرفات، والاعتداء على اشخاص كانوا يحملون صوره.
الرئيس عرفات كان رمزا فلسطينيا لم يحظ زعيم فلسطيني بالتأييد الذي حصل عليه في اوساط شعبه، وكان اول رئيس منتخب في انتخابات حرة نزيهة، وباغلبية ساحقة من اصوات المقترعين.
ويكفي انه اطلق الرصاصة الاولى عند انطلاق الثورة وحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، وعزز مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ورفض ان يتنازل عن الثوابت الفلسطينية مثل القدس وحق العودة للاجئين، رغم الضغوط الكبيرة التي تعرض لها على يد الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون وزعماء عرب آخرين، اثناء انعقاد مفاوضات كامب ديفيد، وهي المواقف التي دفع حياته ثمنا لها.
حركة ‘حماس’ كان يجب ان تبادر بتنظيم المسيرات بذكرى استشهاده، لان الرجل كان اقرب اليها من بعض القيادات الفتحاوية التي تآمرت على المقاومة، وابدت استعدادا للتنازل عن الثوابت، ولكنها للأسف لم تفعل، والاكثر من ذلك منعت مثل هذه المسيرات.
صحيح ان الوضع متوتر في القطاع، وان هناك عناصر تريد استغلال هذه المناسبة لإثارة بعض القلاقل والاضطرابات، ولكن الصحيح ايضا ان افضل السبل للتعامل مع هؤلاء بفاعلية هو السماح بانطلاق المسيرات وتنظيم الاحتفالات، مع التشديد على احترام النظام والامن وتفهم حساسية الوضع الراهن في القطاع، حيث الحصار الخانق واغلاق المعابر ومنع دخول الوقود، وهي اجراءات تؤكد، دون شك، استهداف حركة ‘حماس’ بسبب مواقفها الوطنية المساندة للمقاومة.
نأمل ان نرى وقفا سريعا لهذه الحرب الكلامية والاتفاق على ‘وثيقة عهد’ بعدم تكرارها في المستقبل، لانها تشكل وصمة عار في العمل السياسي الفلسطيني وفي مثل هذا الظرف الحرج.



















