آنا البني
صحيفة بلدنا 8/6/2009
على الرغم من انخفاض معدل النمو السكاني في سورية إلى 2.7 %خلال العامين 2006 و2007، إلا أنَّ سورية التي بلغ تعدادها السكاني 23 مليون نسمة مسجَّلين في سجلِّ الأحوال المدنيَّة- حسب التقرير الوطني لحالة السكان في سورية- لاتزال مصنَّفة من أعلى دول العالم والمنطقة العربية في معدلات النمو السكاني.
المجتمع السوري في القرن العشرين، وحسب تقرير حالة السكان، شهد زيادة كبيرة في حجم السكان؛ إذ ازداد هذا العدد منذ بداية القرن العشرين وحتى عام 2007، أي خلال 102 سنة أكثر من 13 مرة، وهو ما يعني أنَّ هناك 13 شخصاً يقيمون في سورية عام 2007 مقابل شخص واحد فقط كان يقيم فيها منذ بداية القرن الماضي، ما يعني أنَّ مسألة الزيادة السكانية في سورية لم تعد مسألة بسيطة يمكن تجاهلها أو المرور أمامها مرور الكرام، بل باتت- وبالأرقام- مشكلة ينبغي الاعتراف بها ووضع استراتيجيات وسياسات لضبطها.
إذاً، المشكلة تكمن في عدم الاعتراف بالتزايد السكاني، خاصة أنَّ هناك البعض ممن يحاولون التقليل من حجم هذه المشكلة، وهذا ما أكَّده الدكتور أكرم القش، خبير سكاني وعضو مجلس إدارة في الهيئة السورية لشؤون الأسرة، الذي أشار إلى أنَّ موضوع الزيادة السكانية في سورية يعدُّ مشكلة يجب الاعتراف بها على مستوى الأفراد والأسرة والمؤسسات والجمعيات، والمجتمع ككل.
ويضيف القش: «أما عن أسباب البعض التي تدفعهم إلى عدم الاعتراف بالمشكلة، فيرتبط قسم منها بمعتقدات وأفكار متوارثة؛ حيث لاتزال فكرة أنَّ عدد الأولاد الكبير في الأسرة يعدُّ حماية للأبوين وعزوة لهما، مسيطرة، بغضِّ النظر عن واقع هذه الأسرة الاقتصادي، كما ارتبط موضوع الضبط السكاني عند البعض الآخر بفكرة تحديد النسل، فرفض الاعتراف بالمشكلة».. وهنا أوضح القش أنَّ: «موضوع ضبط النمو السكاني يختلف عن موضوع تحديد النسل الذي ارتبط بسياسات بعض الدول القسرية، كالصين على سبيل المثال، التي حدَّدت للأسرة عدد الأولاد بطفل أو طفلين».. لافتاً إلى أنَّ: «الضبط السكاني هو مسألة مختلفة؛ حيث لايوجد فيها تدخل في قرار الأسرة، إنما يعني أن تراعي كلُّ أسرة ظروفها الاقتصادية وتنجب عدد الأطفال الذي يتناسب مع إمكاناتها».. مبيِّناً أنَّ الأسرة يجب أن تشعر بالفائدة الاقتصادية من قيامها بضبط نموها، وهذا ما يطلق عليه الوعي الذي لايأتي بقرار ولا بقانون.
النمو الاقتصادي أقل من المطلوب
المشكلة الأعظم تكمن في الحالة الاقتصادية؛ حيث لا يمكن فصل موضوع الزيادة السكانية عن الظروف الاقتصادية، الأمر الذي لايتعلَّق بوضع الأسرة الواحدة فقط، إنما يتعلَّق بوضع اقتصادي تعيشه سورية الآن لايزال في طور النمو، وبالتالي فإنَّ ما تعيشه سورية من زيادة سكانية وصلت إلى 2.5% يجب أن يتناسب طرداً مع نموها الاقتصادي.. وفي هذا الإطار، أشار الدكتور مدين العلي، خبير اقتصادي، في عرض قدَّمه لأعضاء مجلس الشعب خلال ورشة عمل حول «التقرير الوطني لحالة السكان في سورية»، إلى نقاط ضعف لايزال اقتصادنا السوري يعاني منها؛ حيث يتركَّز بعضها- حسب العلي- في ارتفاع حجم العجوزات المالية في الاقتصاد السوري، وانخفاض مستوى قدرة الاقتصاد على الاستيعاب والتشغيل، بالإضافة إلى وجود نقص كبير في عدد المشاريع التنموية المطلوبة، وارتفاع نسبة الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، حيث استند العلي في هذا الإطار إلى الدراسة التي قامت بها الهيئة السورية لشؤون الأسرة مؤخراً، حول «الوضع المعيشي للسكان» والتي بيَّنت أنَّ نسبة مَن يعملون براتب 9000 ل.س وأقل تشكِّل حوالي 62 % من مجموع العاملين في القطاعات الثلاثة، وأن 67.5 % ممن يعملون بأجر 5000 ل.س وأقل هم في القطاع الخاص.
وفي نفس الإطار، أوضح الدكتور القش أنه: «بغضِّ النظر عن قرار الأسرة، فإنَّ الدراسات تبيِّن أنه إذا كان لدينا معدل نمو سكاني 2 % فيجب أن يصل معدل النمو الاقتصادي إلى حوالي 6 % حتى يستطيع أن يلبِّي الحدَّ الأدنى من الاحتياجات، ونحن اليوم لدينا تقريباً معدل نمو سكاني 2.5 %، ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى معدل نمو اقتصادي يصل إلى 7.5 %، ويتراوح اليوم معدل النمو الاقتصادي في سورية بين 5 % إلى 7 % وهي نسبة أقل من المطلوب».
ضغط على الموارد
عند الحديث عن موضوع الزيادة السكانية وآثارها، لايمكن تجاهل تأثير هذه الزيادة على الموارد، من مياه شرب وكهرباء وطاقة وخدمات، ولا يمكننا أن ننكر أننا نعيش في مرحلة ضغط على الموارد وفي هذا الإطار، أشار القش إلى: «نعاني اليوم من عجز في الموارد، والمقصود بالعجز ليس شحّ الخدمة أو عدم توافرها، إنما الضغط عليها».. مبيِّناً على سبيل المثال: «الخدمة التعليمية متوافرة في سورية، إلا أننا نعاني من محدودية في المدارس والأماكن، حيث أصبح عدد التلاميذ في الصف الواحد 40 تلميذاً بدلا من 30 تلميذاً.. وهذا ما ينطبق أيضاً على الخدمة الصحية، التي تعاني من ضغط وازدحام عليها أيضاً».. وتابع القش: «نعاني اليوم من الضغط على فرص العمل أيضاً؛ حيث لدينا- حسب التعداد الرسمي- نسبة بطالة وصلت إلى 8 %، بالإضافة إلى مشكلات بيئية».. وهذا الأمر أكَّده أيضاً الدكتور العلي، الذي أشار إلى أنَّ هناك تفاقماً في موضوع المشكلات البيئية والتلوث البيئي التي نعيشها اليوم، وقد أشارت الدراسات إلى أنَّ كلف التلوث البيئي في سورية تترواح سنوياً بين 800 إلى 1000 مليون دولار، وفي لغة الأرقام، أوضح الدكتور مدين العلي في هذا الإطار، ووفق سيناريوهات حجم السكان المرتقبة أن سورية ستكون أمام استحقاقات مالية كبيرة تجعلها أمام تحدي إيجاد مصادر تمويل كافية. ولكن الدكتور القش عاد وأكَّد: «إننا مازلنا في مرحلة الضغط، ولكن إذا استمرَّ هذا التزايد السكاني بنسب مرتفعة، فمن الممكن أن نصل إلى أزمة متفاقمة».. حيث أوضح أننا: «نحتاج إلى تدخُّل سياساتي يشمل توسعاً في المدارس والجامعات والبناء، والفرص الاقتصادية»..
هل دُقّ ناقوس الخطر متاخراً؟!!
ولكن السؤال الذي يُطرح هنا: هل سورية دقَّت ناقوس الخطر في ما يتعلَّق بموضوع الزيادة السكانية متأخراً؟ إذا اعتبرنا أنَّ إصدار التقرير الوطني للسكان هو أول خطوة على طريق الحل، لاسيما أنه وحسب التقرير، فإنَّ سورية سجَّلت معدلات نمو سكاني أعلى من مصر ومن الصين أيضاً، فما هي سبل العلاج؟.
وهنا لم يخفِ الدكتور مدين العلي أنَّ المشكلة السكانية إن لم تضبط فستتحوَّل إلى أزمة اقتصادية.. في حين أوضح القش أنَّ المشكلة تكمن في أنَّ أيَّ تدخُّل سياساتي في السكان لن تظهر آثاره مباشرة، وبالتالي كلما تأخَّرنا امتدَّت فترة حصاد النتائج، لافتاً إلى: « نحن اليوم، بحاجة إلى أن نعرف كيف نوازن بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني؛ فالمسألة تحتاج إلى وضع سياسة سكانية واضحة معلنة تأخذ بالاعتبار رغبات الناس والأسر».. ويوافقه الدكتور العلي؛ بأنَّ المسألة السكانية بحاجة إلى بناء استراتيجية تستهدف تخفيض معدل النمو السكاني إلى حدود معينة، ولكنه أشار إلى: «كما أننا بحاجة أيضاً إلى العمل على التركيز في جدوى الإنفاق للموارد والإمكانات المالية، ووقف الهدر، وإعادة النظر في سلم الرواتب والأجور، ووقف الهجرة الداخلية، بالإضافة إلى إيجاد حلول جدية لحلِّ مشكلة المياه»…
انخفاض غير حقيقي
ينظر البعض إلى المسألة السكانية في سورية نظرة متفائلة تتمثَّل في أنَّ سورية سجَّلت انخفاضاً في معدل النمو السكاني؛ حيث بدأ من منتصف التسعينات من القرن العشرين معدل النمو السكاني بالتراجع عما كان عليه من 3.3 إلى 2.5 %.. ولكن الدكتور القش أشار إلى أنَّ هذا التراجع غير حقيقي، وجاء نتيجة لظروف اقتصادية مرَّت بها الأسرة، كان لها انعكاسها على حركة السكان في فترة الثمانينات، أدَّت إلى تأجيل سنِّ الزواج وتأجيل إنجاب الأطفال، وبالتالي، فإنَّ هذا التراجع جاء تجاوباً مع ظروف اقتصادية، بدليل أنَّ نسب العزوبية في تلك الفترة ارتفعت من 40 إلى 60 %، ولم يكن ذلك نتيجة الوعي بأسرة صغيرة.. وبيَّن القش أنَّ معدل الزيادة حافظ على استقراره أو انخفض بنسب ضيئلة جداً، وبالتالي لو كان التراجع حقيقياً لكان معدل النمو السكاني استمرَّ في الانخفاض.
تحت الضوء
التقرير الوطني الأول عن حالة السكان في سورية، أشار إلى أنَّ هناك نسباً من المهم الوقوف عندها؛ حيث لفت إلى أنَّ نسب وفيات الأمهات مازالت عالية قياساً إلى الدول العربية، ولاتزال نسبة مساهمة المرأة في العمل ضئيلة.
وحسب التقرير، لدينا الآن ثلاثة أنماط للنمو الديموغرافي في سورية، يجب أن نتعامل معها؛ فمعدلات النمو السكاني في المنطقة الشرقية والمنطقة الشمالية، أعلى من المتوسط في سورية، فلدينا معدلات تفوق 4 %، وهذا المعدل كبير إذا ربطناه مع الحالة التنموية في سورية وفي هذه المناطق، الأمر الذي سيؤدِّي إلى هجرة متزايدة من هذه المناطق إلى المحافظات الكبرى.
كما لفت التقرير إلى أنَّ معدل نمو فئة المسنين في المجتمع السوري خلال الفترة القادمة سيكون أعلى، وهذا يشير إلى أنَّ هناك تحديات ستطرحها هذه الزيادة على المجتمع السوري.
الإعلام والسكان
لم يخفِ رئيس مجلس الوزراء، المهندس محمد ناجي عطري، أهمية دور الإعلام في التوعية بالمسألة السكانية في كلمته التي ألقاها خلال إطلاق التقرير الأول عن حالة السكان في سورية ودور وسائل الإعلام المهم والنوعي الذي يمكن أن يضطلع به في موضوع التوعية بالمسألة السكانية..
وفي نفس الإطار، أشار الدكتور القش إلى: «في مجال الإعلام، مازلنا نعيش في تخبُّط في ما يخصُّ المسألة السكانية؛ فهناك برامج تشجِّع على موضوع الأسرة الكبيرة وكثرة الأبناء الذين يشكِّلون عزوة للأهل، بينما هناك برامج أخرى تتحدَّث نقيض ذلك؛ إذ لايوجد رؤية واضحة بشأن هذا الموضوع»…
سياسة سكانية..
بدأت الهيئة السورية بالتنسيق مع كلِّ الجهات المعنية بقضايا السكان ومع اللجنة الوطنية للسكان، بعقد ورشات عمل مكثفة، لوضع أسس ومبادئ لسياسة سكانية، ليتمَّ بعدها إشراك كل المجتمع في بلورة هذه السياسة وصياغتها لاعتمادها وجعلها منهاج عمل في التعليم والتربية.
التقرير الوطني
يذكر أنَّ التقرير الوطني عن حالة السكان في سورية، الذي أطلقته الهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، يعدُّ الأول من نوعه على مستوى سورية، والثاني على مستوى الوطن العربي




















