لم يعد خافيا ان القوى الكردية في العراق حصلت على ما لا يمكن الحصول عليه بأية وسيلة اخرى، مستغلة ظروفا غاية في الاستثنائية كان يمر بها البلد.
قدمت تلك الظروف، العراق بأكمله عموما، والاقليم بشكل خاص على طبق من فضة، ليلعب الكرد دورا مزدوجا. ففي وقت راكموا فيه منجزات "دولتهم" العتيدة بتسارع مثير مستغلين كل الامكانات التي يوفرها الاقليم، شاركوا بقية العراقيين بكل خيرات العراق، كذلك تلحفوا بالعباءة العراقية للحماية من نقمة دول الجوار، تحت يافطة ان ما يحصل، هو شأن داخلي عراقي.
تعرف القيادات الكردية قبل غيرها، ان ما حصل كان اشبه بتورم غير طبيعي، وكان الاساس في ذلك، هو توسع شقة الخلاف بين المكون العربي الذي انقسم بين شيعة وسنة. فالمعروف تاريخيا، ان هذا المكون هو العمود الفقري لقيام العراق، فإن اصيب بالعطب او بالوهن، فالعراق سيترنح حتما الى درجة الموات.
معرفة القادة الكرد هذه البداهة، جعلتهم يخشون دوما من احتمال عودة الامور الى استقامتها، لذا فاتساع الهوة بين طرفي المكون العربي، جعل الكرد يشعرون بالكثير من الاطمئنان لاستكمال خطواتهم في اتجاه، ليس فقط تحصين اقليمهم وبناء مؤسسات دولتهم، بل في التمدد الى اقصى ما يمكن الوصول اليه، ليتم الاستيلاء في المحصلة على مايزيد عن 40% من مجمل الاراضي العراقية الصالحة للزراعة، اضافة الى مواقع النفط في كركوك والموصل.
كانت الامور تضع نفسها في خدمتهم، لكن التحول الجذري في المعركة ضد الارهاب، والذي بدأته مجالس الصحوات انطلاقا من محافظة الانبار، احدث ارتباكا في المسارات الكردية، فتلك المجالس اعادت الروح الى الوطنية العراقية، وجعلت الخطاب الطائفي يتقلص الى ادنى مستوياته، الامر الذي جعل الخطاب الكردي وجها لوجه- ولاول مرة منذ سقوط النظام السابق – مع الحقيقة التي يمكن تلخيصها بما يلي: "يمكن العراق ان يُبنى – ان اقتضى الامر – دون مساهمة الكرد، لكنه سيتعثر قطعا من دون مشاركة السنة او الشيعة على حد سواء. لذا انكشفت الهوة أمام القادة الكرد لتشير الى ان "الحلم الوردي" يوشك على الانتهاء، والمخططات لم تستكمل بعد، فلا المناطق "المتنازع عليها" تم الحاقها بالاقليم، ولا نجحت خطة تهجير التركمان والازيديين والمسيحيين من اراض يُطمح الى تكريدها، اضافة الى ان الحرب الاهلية لم تقع في المكون العربي.
بداية وأد الحلم، اصابت الخطاب الكردي بالتشنج الذي وصل الى حدود فقدان حتى اللياقات المتعارف عليها في العمل السياسي، فما ان ينخز احد معالم هذا الحلم، حتى تنطلق الاصوات الكردية منذرة مهددة، وبلسان واحد كأنما تصدر من شخص واحد.
خطاب المالكي الاخير حول ضرورة تعديل الدستور لم يكن مستغربا، فهذه النقطة اقرت أصلا منذ ان تم التصويت على الدستور حيث شكلت لجنة للنظر في التعديلات المقترحة، أما مجالس الاسناد، فقد انتشرت في محافظات كثيرة من دون اعتراض كردي، لكن ما ان وصلت اليهم، حتى وصفت بأقذع الالفاظ، والامر الاكثر خطورة، هي دعوة حكومة الاقليم منع قيامها بالقوة حتى في المناطق "المتنازع عليها" ما يعني ضرب مقومات الدستور في حرية الرأي وحقوق الانسان من جهة، والاعلان الضمني عن ضم تلك المناطق الى الاقليم من خلال ممارسة السيادة عليها واقامة نظام ديكتاتوري قسري، من جهة اخرى.
بيان كهذا – اذا ماتم العمل بموجبه – يعد بمثابة اعلان حرب على الحكومة المركزية، واذا نجح القادة الكرد في ذلك، فسوف تضرب مشاريع قيام الدولة العراقية في اهم مرتكزات بنائها، لكن هناك الكثير من المؤشرات التي تدل على ان المرحلة المقبلة ستشهد وضع القادة الكرد امام امرين احلاهما مر: أما اعلان الانفصال بما قد يجره من كوارث، او التجرع التدريجي للحقيقة المرة، وهي القبول باقليم فيديرالي بصلاحيات متعارف عليها في كل فيديراليات الارض، وهو الخيار الانسب الذي يحتمه العقل ويفرضه المنطق.
الخلاصة، ان الايام المقبلة ربما ستشهد المزيد من التصعيد في المواقف بين الاقليم والحكومة المركزية، لكنها ستبقى مضبوطة بايقاعات السياسة، اذ لم يحن الوقت بعد لمرحلة التصادم المباشر، الذي من شأنه ان يحرج القيادات الكردية ويضعها في موقع التمرد المباشر، لذا فحرب البيانات والتصريحات النارية شيء، والانتقال الى الحرب الفعلية شيء آخر مختلف لا احد يرغب في الوصول اليه.
– بغداد
(صحافي عراقي)



















