في سياق الفرحة العربية الواسعة بانتصار أوباما تأتي العديد من التحليلات السياسية متلبّسة بالأماني والآمال أكثر من تعبيرها عن قراءة واقعية لأجندة الإدارة الجديدة أو حتى موازين القوى الدولية والإقليمية والوقائع على الأرض.
ثمة خلط واضح في التحليلات السياسية العربية وتداخل بين مستويات القراءة. فهنالك عدم تمييز بين خطاب أوباما بصفته مرشحاً يسعى إلى كسب الانتخابات الرئاسية وأصوات الناخبين بإطلاق الوعود وبين أوباما الرئيس الذي يجد على مكتبه في البيت البيضاوي تقارير وتوصيات المؤسسات البيروقراطية الأميركية، وهي التقارير التي تعيد تشكيل أغلب مواقفه السياسية، ومعها تحديد دقيق وعملي للمصالح الأميركية الحيوية.
وهنالك خلط، أيضاً، بين ما يعنيه انتصار أوباما على الصعيد الداخلي الأميركي من انتصار للمساواة ضد العنصرية العرقية ومن تمكين لقيم الديموقراطية وقدرة المواطن على خلق تغيير سلمي كبير ومن نهاية ثورة «المحافظين الجدد» الراديكالية، وبين صعيد السياسة الحارجية التي تختلف سياقاتها وشروطها جذرياً عن الداخلية.
ذلك لا يقلل من أهمية فوز أوباما، داخلياً وخارجياً، ومن الدروس الهائلة التي يجدر أن نتعلّمها، نحن الشعوب العربية، من هذا الحدث الرمزي التاريخي، لكن على أن نضع الحدث ضمن زواياه الدقيقة والصحيحة.
أحـــد الأسئلة المتعلـــقة بأجنــــدة الإدارة القادمـــة سؤال الإصلاح السياسي. ففي سياق الفرحة العربية والخلط الحاصل يجري التبشير بضغوط أميركية على الدول العربية للمضي في مشروع الإصلاح والدمقرطة، بل ويذهب بعض المحللين إلى أنّ الإدارة الجديدة ستربط المساعدات الاقتصادية بالإصلاح السياسي.
والحال أنّ الواقع هو العكس تماماً! فمن يرصد مراكز التفكير المرتبطة بالديموقراطيين والكتاب والسياسيين المؤيدين لهم يجد أنّ أحد أبرز انتقاداتهم الكبيرة على السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تتمثل بقيام تلك الإدارة بضغوط كبيرة على النظم العربية الحليفة وهزّ المعادلات التقليدية وتعريض المصالح الحيوية الأميركية للخطر.
المفارقة الملفتة أنه وعلى الرغم من الأخطاء والازمات التي تسببت بها إدارة بوش، وعلى الرغم كذلك من الفظائع التي ارتكبتها وآلّبت عليها الرأي العام العربي والإسلامي فإنّ الحقيقة المقابلة أنّ تلك الإدارة هي الوحيدة في تاريخ السياسات الأميركية الخارجية التي حملت بصورة جدّية قضية الإصلاح العام في الوطن العربي وجعلت منها جزءاً رئيساً في الخطاب الأميركي، بل إحدى أولويات السياسة الخارجية وليس ثانوياتها.
فقد ساهمت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بتشكّل قناعة استراتيجية لدى الإدارة الأميركية بأنّ شبكة القاعدة والمجموعات «الإرهابية» باتت تمثل مصدر التهديد الرئيس للولايات المتحدة. في المقابل عزت تلك الإدارة صعود هذه المجموعات إلى «الفساد» المستشري داخل الدول العربية والإسلامية، ورأت أنّ هذه الدول تصدّر أزماتها إلى الخارج، وأنّ السلاح الأنجع في مواجهة الإرهاب هو رمي الكرة الملتهبة مرة أخرى إلى حِجر النظم العربية والدفع نحو الإصلاح والديموقراطية لتجفيف مصادر التجنيد والتعبئة لدى تلك الجماعات.
انعكست القناعة الأميركية من خلال مبادرة الشراكة التي أطلقهـــا بــــاول، ومبـــــادرات الشرق الأوسط الكبير والموسع، وتلك الخطابــــات الحادّة الصادرة عن أركان الإدارة السابقة بالهجوم على الدكتاتورية والمطالبة بفجر الحرية العربي. ومن يرصد تلك الفترة (تحديداً عام 2005 وبدايات 2006) سيجد أنّها حملت في ثناياها ازدهاراً للحركات المعارضة العربية وإطلاق الإسلاميين مبادرات نحو الإصلاح السياسي، بل وتضضع قوة وسطوة الحكومات العربية بتحول دور العامل الخارجي من دعم الاستقرار السياسي والأمني إلى «محفِّز» للتغيير السياسي وتبديل النخب الحاكمة.
كانت تلك «لحظة استثنائية» في السياسة الخارجية الأميركية، إذ سرعان ما انقلبت الإدارة الأميركية على سياساتها مع تدهور الأوضاع في العراق وفشل التغيير، وصعود إيران بوصفها قوة إقليمية، بالتوازي والتزامن مع نشوة الحركات الإسلامية من الانفتاح الديموقراطي، بتحقيق حماس وإخوان مصر والإسلاميين في الخليج انتصارات كبيرة.
بدت مقدمات العودة إلى «المدرسة الواقعية» في السياسة الأميركية مع بدايات عام 2007. وعادت الإدارة الأميركية إلى إعلاء الاعتبارات الأمنية والسياسية على حساب دعوى الإصلاح، وتراجعت بصورة حادّة في خطابها السياسي عن انتقاد الحكومات العربية ودعم المعارضين لها، وهو ما أعادنا مرة أخرى إلى نسق التحالف بين الحكومات العربية «الصديقة» وبين الولايات المتحدة لمواجهة أطراف إقليمية أخرى.
اليوم، تأتي الإدارة الجديدة لتحمل تركة الإدارة السابقة، وتتعامل مع مصادر التهديد والتحدي المتنامية في المنطقة، لكن بعد أن وأدت الوقائع والمؤشرات المتعددة، بصورة واضحة، «دعوة الإصلاح»، ومن غير المتوقع أن تستأنفها الإدارة الجديدة التي ستكون حريصة على الحدّ من مصادر التهديد وعقد الصفقات والاستعانة بالأصدقاء والحلفاء، ما يعزز من الاعتبارات الأمنية الاستراتيجية ويمنحها أولية قصوى مقارنة بأسئلة حقوق الإنسان والديموقراطية والإصلاح.
ما يزكّي هذه الخلاصة جملة هائلة من التصريحات والتعليقات والدراسات التي قدّمها معارضو الإدارة السابقة (مثل مادلين أولبرايت، بريجنسكي وشبلي تلحمي) وكثير منهم إمّا من الحزب الديموقراطي أو المؤيدين له. الملفت في هذا التوجه أنّه يدعو صراحة إلى عدم الضغط باتجاه إصلاح سياسي فوري، وضرورة منح الإصلاح فترة زمنية طويلة، كي تنضج الشروط الداخلية الرافعة له، وتقوى التيارات الليبرالية الصديقة للغرب.
وبالطبع تستبطن هذه المقاربة أنّ الحركات الإسلامية هي المستفيد الحالي من مشروع الإصلاح، ما يشكل خطراً على المصالح الغربية. ما يعني أنّ الحديث عن «شهر عسل» بين الحركات الإسلامية والإدارة الجديدة هو محض أوهام غير مبنية على أية قراءة دقيقة لخطاب الديموقراطيين وأجندتهم السياسية نحو العالم العربي.
* كاتب أردني.
"الحياة"



















