ما ان وضعت الحرب العالمية الباردة أوزارها في عام 1989 بسقوط جدار برلين، حتى بدأ شهر العسل بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الاميركية. تمثّل ذلك في اتفاق الدولتين على تبادل المعلومات الاستخباراتية لدى كل منهما حول كافة القضايا التي تتعلق بالأمن والسلم العالميين. يومها كشفت الولايات المتحدة لروسيا أسرار المنظمات الارهابية التي كانت تموّلها وتدرّبها وتوجّهها تحت ذريعة مكافحة الشيوعية. ويومها ايضاً كشف الاتحاد الروسي للولايات المتحدة اسرار المنظمات المماثلة التي كان يشرف عليها في دول العالم الثالث. وهكذا بدأ العد العكسي لسقوط تلك الحركات الارهابية السرية.
ولكن شهر العسل هذا لم يعمّر طويلاً. اذا سرعان ما انتكست العلاقات الاميركية ـ الروسية، ثم سرعان ما تحولت الانتكاسة الى تدهور فالى صراع على النحو الذي يبدو الآن جلياً في القوقاز (جورجيا) وفي البلقان (كوسوفو). ومع نهاية شهر العسل استعادت الحركات السرية انفاسها، واستأنفت من جديد دورها بمساعدة من واشنطن او من موسكو.
ما كان لتنظيم القاعدة مثلاً ان يثير كل هذا القلق والخوف في العالم لو ان الاتفاق الأمني الروسي ـ الاميركي الذي كان الطرفان توصلا اليه في عام 1989 قد حافظ على صدقيته وفعاليته، وربما لم تقع احداث ايلول 2001 في نيويورك وواشنطن وما تلاها من حوادث ارهابية اخرى في مدريد ولندن واندونيسيا وكذلك في السعودية ومصر والمغرب والجزائر والاردن وسواها من الدول العربية والأجنبية.. وربما لم تقع الحرب في الشيشان وما ترافق معها من أعمال ارهابية وصلت حتى العاصمة موسكو ذاتها.
لقد اعتقد العالم ان الولايات المتحدة بعد ضربة نيويورك وواشنطن سوف تعيد الاعتبار الى التفاهم الدولي ضد الارهاب. ومما شجع على هذا الاعتقاد التعاطف الواسع النطاق مع الولايات المتحدة والذي شمل الى جانب روسيا العالم الاسلامي كله، اضافة الى العالم الغربي. ولكن الولايات المتحدة شاءت ان تعلن الحرب على الارهاب منفردة. وشاءت ان تشنّ تلك الحرب على طريقتها، اي خارج الشرعية الدولية، ومن خلال غزو دولة مثل العراق لم تكن لها علاقة من قريب أو من بعيد بالارهاب. صحيح ان النظام الصدّامي كان نظاماً ديكتاتورياً ظالماً، الا انه لم يكن على علاقة بتنظيم القاعدة، ولم يكن يملك اسلحة دمار شامل وهما المبرران ـ الكاذبان ـ اللذان اختلقتهما ادارة الرئيس جورج بوش لغزو العراق واحتلاله رغم معارضة الامم المتحدة.
وذهبت الحرب على الارهاب الى أبعد من ذلك عندما تحوّل قصف مواقع الارهابيين في أفغانستان والباكستان الى قصف للقرى الفقيرة الآمنة، فانقلب الناس على الولايات التحدة، وتالياً على الحرب التي تشنّها عليهم باسم مكافحة الارهاب. ثم ان الدولة الأفغانية التي كافح شعبها طويلاً للتخلص من الاحتلال السوفياتي السيء وجدت نفسها تحت الاحتلال الاميركي الأسوأ. والدولة الباكستانية التي تعتز بأنها تملك القنبلة النووية والصواريخ البعيدة المدى، وجدت ان سيادتها الوطنية تتعرّض للانتهاك على يد القوات الاميركية بحجة مطاردة الارهابيين.
اما الانتكاسة الكبيرة للحرب التي اعلنها الرئيس بوش على الارهاب، فقد جاءت من خلال ربط الادارة الاميركية للاسلام بالارهاب. فخسرت بذلك تأييد وتعاطف الرأي العام الاسلامي، بل خسرت التزام الشعوب الاسلامية بمكافحة الارهاب الذي أساء الى هذه الشعوب في حياتها وفي مصالحها، كما أساء اليها في عقيدتها الدينية.
لم تدرك ادارة الرئيس بوش كل هذه الأخطاء المميتة الا متأخرة جداً. ولكنها حتى الآن لم تعرف كيف تصحح تلك الأخطاء، حتى بعد ان بدأت تحصد نتائجها المرّة. ويبدو ذلك واضحاً من خلال اتساع رقعة الارهاب بدلاً من «اجتثاثه من جذوره» كما وعد الرئيس بوش في عام 2001.
امام هذا الواقع المرير الذي دفع العالم كله ـ ولا يزال يدفع ـ ثمنه غالياً جداً من أمنه واستقراره، بادرت روسيا الى طرح مبادرة جديدة. تتمثل هذه المبادرة بالدعوة الى العودة الى تفاهم 1989، اي الى تعاون أجهزة المخابرات الدولية وخاصة الروسية والاميركية على تبادل المعلومات حول المنظمات الارهابية تمويلاً وتسليحاً وتنظيماً.
هناك امران يحثان على تحقيق هذا التعاون. الأمر الأول هو معرفة واشنطن وموسكو تحديداً بأن المنظمات الارهابية تسعى للحصول على سلاح نووي من «السوق السوداء». واذا تمكّنت من ذلك، وهو أمر لم يعد مستحيلاً، فانها سوف تعرّض السلام العالمي الى كارثة حقيقية.
اما الأمر الثاني فهو ان المنظمات الارهابية هي كالقاتل المأجور، يمكن ان تقتل لحساب جهة ما، ثم تصوّب ارهابها الى الجهة التي قتلت لحسابها ومن أجلها. وهذا ما حدث في افغانستان بشكل واضح. فحركة الطالبان قاتلت الروس لحساب الولايات المتحدة. وهي اليوم تقاتل الولايات المتحدة بما تبقى لديها من سلاح اميركي، وعلى قاعدة التدريب الأميركي، وبالتمويل الاميركي المباشر وغير المباشر.
لقد «خصخصت» ادارة الرئيس بوش الحرب على الارهاب وذلك باحتكار اعلان الحرب وتحديد اسلوب الحرب وأهداف الحرب من دون التفاهم مع القوى الدولية الاخرى المتضررة من الارهاب، وتضخّمت أضرار هذه الدول من جراء فشل تلك الحرب حتى الآن. واذا كانت ادارة الرئيس بوش بقيت تكابر بعدم الاقرار بهذا الفشل، فان مرشحي الرئاسة الاميركية الجمهوري جون ما كين والديمقراطي باراك اوباما اعترفا أثناء الحملة الانتخابية، كل على طريقته بهذا الفشل وبنتائجه السلبية الخطيرة.
خلال شهر العسل الذي قام على قاعدة تعاون أجهزة الاستخبارات الروسية والاميركية اثر انتهاء الحرب الباردة، بدا وكأن هذا التعاون موجّه ضد دول العالم الثالث التي كانت تابعة أو ملحقة بهذه الدولة أو تلك. وبدا وكأن موسكو وواشنطن قد تخلّتا عن حلفائهما الصغار. ذلك ان بعض أو معظم الحركات المسلحة في ذلك الوقت كانت تعتبر حركات تحرر وطني، وكانت تتسلح وتتمول من احد الجانبين. صحيح ان روسيا كانت تستخدم الحركات التي تدعمها ضد الولايات المتحدة والعكس صحيح، ولكن هذه الحركات كانت تتجاوز تبعيتها لتقنع نفسها وجمهورها بأنها في الحسابات الاخيرة تخدم قضيتها الوطنية العليا.
بعد عام 1989 سقط هذا التصور وانكشفت هذه الحركات بكل قضاياها على يد حماتها ومموليها أمام من كانت في حالة صراع معهم. ولذلك تناثرت وتلاشت حتى أصبحت نسياً منسياً. غير انه مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين الى الكرملين وجورج بوش الى البيت الأبيض احتدمت الخلافات بين موسكو وواشنطن من جديد وبدأ كل منهما في اعادة انتاج الحركات المسلحة لاستخدامها ضد الآخر. وهكذا ولدت حركة استقلال الشيشيان عن روسيا والتي دعمتها الولايات المتحدة تحت شعار حقوق الانسان وحق تقرير المصير، وهكذا أيضاً ولدت الحركات الاستقلالية في أوسيتا الجنوبية وأبخازيا بدعم من الاتحاد الروسي.
وقد وفّر هذا التصارع الروسي ـ الاميركي المستجد الفرصة الذهبية امام حركة القاعدة للتحرك، وأوجد لها مساحة للعمل بعيداً عن المراقبة.. ومن هنا الاعتقاد بأنه لو لم يسقط التفاهم الاميركي ـ الروسي المخابراتي لما وصلت القاعدة الى ما وصلت اليه.
والسؤال الآن هو هل تستجيب واشنطن لدعوة موسكو الى اعادة إحياء التفاهم المخابراتي الدولي خاصة وانه جاء من جانب روسيا بالذات؟.ش
من غير المتوقع ان تجيب على هذا السؤال ادارة الرئيس بوش في ما تبقى لها من أسابيع، وهي التي انقلبت على التفاهم من الأساس وأسقطته. ولذلك لا بد من انتظار استلام الإدارة الجديدة، بقيادة أوباما، لمهامها.
"المستقبل"



















