حسان حيدر
قد لا يطول الأمر بالنظام الديني الايراني قبل ان يتمكن من استيعاب وتفكيك حركة الاحتجاج الحالية وإجهاض تأثيراتها السياسية والاجتماعية، على رغم ان حجمها يجعل ذلك مهمة ليست باليسيرة، واستعادة خطابه «الموحد» في مواجهة العروض المنهالة من الغرب لتغيير سلوكه. ومع ان الرئيس الاميركي أوباما اعتبر أن اعطاء رأيه في نتائج الانتخابات الايرانية لن يكون مجدياً في ظل تاريخ العلاقات المضطرب بين البلدين، فمن الواضح ان الدعوة للحوار التي وجهها قبل شهور الى طهران شكلت اشارة الانطلاق لتيار المحافظين المعتدلين وللاصلاحيين لمحاولة فرض تغيير ما وملاقاته في منتصف الطريق، خصوصاً أنه ربط موعد هذا الحوار بانتهاء الانتخابات وتبلور التوجهات الايرانية، في رهان غير معلن على سقوط احمدي نجاد.
وبالتأكيد فإن رأس السلطة الايرانية خامنئي ادرك على الفور معنى الدعوة الاميركية وخطورتها على نظامه، فاقترع مسبقاً معلناً دعمه المطلق لنجاد، في خروج عن الدور الذي يحرص على تحديده لنفسه راعياً لكل الايرانيين بمختلف تلاوينهم، ثم زكّى نتائج الاقتراع وباركها قبل ان تتأكد رسمياً. فآخر ما يحتاجه الولي الفقيه ان تفرز الانتخابات قوة سياسية ذات سند شعبي واسع تفرض عليه، أو تحاول، مشاركتها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بعلاقات ايران الدولية وتحالفاتها الاقليمية ودورها ونفوذها في المنطقة الممتدة من حدود الصين الى المغرب، ومناقشة تلك التنفيذية المتعلقة بحياة الإيرانيين اليومية وطرق عيشهم واقتصادهم، مع ما يعنيه ذلك من اختلال في هيبته و «عصمته».
قبل أوباما لم يكن معروفاً ان الانقسام كبير الى هذا الحد داخل النظام الإيراني، ولم يكن ممكناً تصور انه قد يخرج الى العلن بمثل هذه المواجهات الدامية والتظاهرات الرافعة شعار «الموت للديكتاتور» والمذكّرة بآخر أيام الشاه الراحل. لكن ما حصل فاجأ الجميع وأربك حتى خامنئي نفسه الذي اضطر الى التراجع، ولو شكلياً وموقتاً، عن «قدسية» النتائج المعلنة.
وقبل أوباما لم يكن أي طرف ايراني يجرؤ على ان يناقش علناً صوابية الدعم الذي يقدمه النظام، سياسياً ومالياً، الى «حزب الله» وحركة «حماس»، وهما «مفخرته» ورمز قوته وسبيله للخروج من عزلته القومية والمذهبية، وورقته الرابحة في «الكباش» القائم مع اسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً، ومع المحيط العربي خصوصاً، وكذلك في التعبئة الداخلية التي يحتاجها لإثبات مناعته امام المتغيرات الدولية، وعلى وجه التحديد السياسة الاميركية الجديدة الساعية الى ايجاد حل للقضية الفلسطينية على أساس الدولتين. فهو اظهر انه بحاجة دائمة الى توتر ما على هذه الجبهة او تلك للنفاذ الى القرار الاقليمي وتشجيع الانقسام ورعايته، وان الهدوء والاستقرار وانحسار حال العداء يعرضونه للانكشاف.
لكن أياً تكن الطريقة التي سيحسم بها النظام أمر هذا الانفلات الجزئي المفاجئ للجبهة الداخلية، لا سيما أنه يمتلك أدوات أمنية متعددة وفاعلة لم يلجأ اليها بعد، فإن صورته الكبيرة اهتزت. وسواء دخل في مفاوضات مع الاوروبيين او حوار مع الاميركيين حول ملفاته العالقة، وبينها خصوصاً طموحاته النووية، او تمنع لأسباب وأعذار شتى، فلن يمكنه بعد الآن الإدعاء بأنه يحظى بإجماع الايرانيين وتأييدهم المطلق، ولن تستطيع رموزه الاستمرار في الاعتماد على تماسك الداخل والمطالبة بالمشاركة في حل مشكلات العالم، بينما الدماء تسيل في شوارع عاصمتهم.




















