زهير قصيباتي
حين ينفي مسؤول أميركي ان تكون لقرار إدارة الرئيس باراك أوباما إعادة سفير الولايات المتحدة الى دمشق، علاقة بالأيام التي هزت ايران إثر الانتخابات الرئاسية، فالنفي لا يلغي مبرر طرح السؤال، لماذا يستعجل أوباما تطبيعاً شبه كامل مع سورية في الوقت الذي يستعيد كل المفردات للتنديد بـ «المظالم» في الجمهورية الإسلامية، من دون ان ينسى بالطبع انه يعدّ لطاولة الحوار وتدشينها مع نجاد.
ترجَح كفة استراتيجية فصل المسارين السوري والإيراني في سياسة أوباما، أو استعجال «تفكيك» تحالف دمشق وطهران، كلما اطمأنت الإدارة الأميركية الى ان ذيول الاهتزاز في صورة النظام الإيراني، ستدفع المرشد علي خامنئي الى التفكير ملياً في احتمالات تجدد المواجهات مع الإصلاحيين في الشارع. وهذه كافية في كل الأحوال لإرغام المرشد والرئيس نجاد صاحب حظوته، على تعليق سياسة عرض العضلات مع أميركا والغرب، بالتلويح بالورقة النووية، وربما كذلك الانكفاء ولو مرحلياً عن ممارسة «الشغب» في وجه الديبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط. وهكذا يكون المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة الإيرانية مير حسين موسوي، حقق أحد اهداف حملته، والذي قدم له تشخيصاً مبسطاً، متسائلاً عن الكلفة الاقتصادية لذلك «الشغب»، وتحميل فقراء إيران عبء دعم قوى «الممانعة».
ينقسم العرب بالطبع على الحدث الإيراني، ومأزق الثورة في الجمهورية الإسلامية التي باعدت بينهم طويلاً، بين من رآها مناصراً لقضاياهم، ومن صنّفها متاجراً بهذه القضايا وعلى رأسها فلسطين. ولا يبدّل في حقيقة نجاح إدارة أوباما في تسجيل اختراق بديبلوماسية الحوار مع دمشق، أن تنصح سورية الذين يراهنون على انهيار النظام الإيراني بألا يضيّعوا وقتهم، وتحدد قبل ان تخمد «انتفاضة» موسوي، شرطاً وحيداً لتسوية الخلافات العربية – الإيرانية (مَن يثيرها الآن؟) هو «الضمير النظيف»… كأنها تستشعر شماتة بعض العرب بالنظام الحاكم في طهران، المتهم بزرع أصابع لهزّ استقرار الشرعيات في بقاع متباعدة من المنطقة.
ولا يبدّل في واقع اندفاع سياسة فك المسارين، ان ترى دمشق لنفسها نجاحاً كبيراً في جني «مكافأة» اميركية تتمثل في قرار واشنطن اعادة السفير الى سورية، ولو بررت إدارة أوباما خطوتها باستجابة هذا البلد مطالب بدعم الاستقرار في العراق ولبنان.
«المكافأة» ذاتها ستثير الأعصاب في طهران، لأن الحليف السوري الذي أعفاه تطرف نتانياهو من عبء مفاوضات غير مباشرة وبلا جدول زمني، وبلا سقف معترف به اسرائيلياً، يتقرب سريعاً الى خصم اميركي يلعب بورقة «الانتفاضة» المباغتة، قبل بدء الحوار «النووي»… ولأن الحليف لم يجمد التزاماته بموجب التطبيع مع الولايات المتحدة، بانتظار اختبار المرشد جدوى ذاك الحوار، وعائداته لتكريس نفوذ إقليمي لإيران، تراه هي لمصلحة المسلمين، فيما يعتبره كثيرون من العرب والمسلمين على حسابهم وحدهم.
ليس همّاً للمرشد ان ينقسم العرب على توصيف ما تواجهه دولة الثورة بعد 30 سنة على ولادتها، همّه بعد «تصدير الثورة»، تصدير أزمة انتخابات الرئاسة الى الخارج، لإخراجها من الشارع. وبين الإشارات المشجعة للنظام في طهران، سحب محسن رضائي شكاواه من تجاوزات في الاقتراع، وحشر موسوي وحيداً مع «المشاغبين» الذين يكبّرون كل ليلة، لكنهم من وجهة نظر الثورة يتجرأون ويتمردون بأموال «سي آي أي».
نجح خامنئي حتى الآن في تحويل جانب كبير من أزمة الانتخابات، مواجهة مع الخارج «المتآمر» الذي اخترق مجتمع الثورة بـ «جواسيس». لكن أوباما نفسه لم يخطئ ايضاً حين نصح طهران بالإقلاع عن العزف على أوتار «بالية». هو لا يكذب حين يصر على ان واشنطن لا تتدخل في شؤون إيران، لأن حقوق الإنسان ليست مسألة «سيادية». ولكن، من ذا الذي لا يرى في إشادة أوباما ونتانياهو بـ «شجاعة» المحتجين في إيران، تمنياً لمشروع ثورة على الثورة الطامحة الى حجز مقعد في نادي الكبار، رغماً عنهم؟
في يد المرشد أدوات عديدة لإخماد الاحتجاجات، لكن أحداً لا يمكنه التكهن بثمن القوة، إذا تجددت المواجهات. تنشغل طهران بتبديد دخانها فيما تتودد واشنطن الى دمشق بأكثر من حسن النية، وتتمنى التحاق العراق بمجلس التعاون الخليجي.
خريطة قوى جديدة في المنطقة ولتحالفاتها، أو هذا ما تتمناه إدارة أوباما على الأقل، وكله يثير الأعصاب في طهران، مع القنابل المسيلة للدموع.




















