تأتي مشاركة السلطنة في مؤتمر التعليم العالي الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية باريس، ابتداء من اليوم ولغاية الثامن من الشهر الجاري، تأكيدا على دور مؤسسات التعليم العالي وأنظمته في بناء الدولة الحديثة، لاسيما في العصر الذي نعيشه والذي باتت فيه سياسات التعليم تلعب محورا استراتيجيا في النهوض والتحديث.
المؤتمر يأتي تحت عنوان: (التعليم العالي.. إعادة استبصار للنهوض.. الطريق نحو تنمية مستدامة) وهي نقاط جوهرية تنظر إليها سياسة السلطنة التنموية في المجال التعليمي بوجه خاص وفي كافة المجالات بوجه عام، حيث أن هدف التنمية المستدامة يعتبر هدفا استراتيجيا في فكر التنمية الحديث الذي تتبناه الحكومة وتسير عليه بالتركيز على بناء الإنسان بوصفه الهدف والغاية لأي مشروع تنموي.
إن رد الاعتبار أو إعادة استبصار النهوض في مجال التعليم العالي يظل سؤالا ملحا ومتواصلا لا يتوقف، لأن حياتنا المعاصرة باتت معقدة وكثيفة من حيث التشابكات المستقبلية في مجالات الحياة المختلفة، الأمر الذي يتطلب دينامكية في التصورات والرؤى والمراجعات بشكل دوري، بما يقيّم المسيرة في البناء التعليمي بشكل عام، والتعليم العالي بوجه خاص باعتباره الرافد الرئيسي لبناء كوادر قادرة على ترسيخ فكر النهضة في المجال العملي المباشر.
كلمة السلطنة في مؤتمر باريس تركز على الالتحاق والجودة في التعليم العالي، بالاستناد إلى تجربتنا المحلية، وتسلط الضوء على تواجد المرأة في كافة قطاعات العمل وبمختلف المناصب، كما تتطرق إلى أهمية تحقيق التوازن بين زيادة الاستيعاب في معدلات الالتحاق بالتعليم العالي وتحسين الجودة من خلال طرح البرامج الأكاديمية التي تلائم احتياجات سوق العمل.
جملة هذه المحاور ومن خلال حوار عالمي يشارك فيه مختصون يمكن له أن يرفد تجربتنا بالمزيد من الإضاءات المستقبلية، خاصة أن سياستنا التنموية تقوم على الأخذ بالأفضل مما تقدمه خلاصة التجارب الإنسانية بما يتوافق مع قيمنا وتقاليدنا، وما يضع الإنسان كأولوية وينمي قدراته في استيعاب منظومات العمل الحديث والبناء والتطوير ويجعله فاعلا ومبتكرا وليس مجرد مقلد وروتيني.
النقطة الثانية الجديرة بالتركيز عليها في هذا الإطار تتعلق بعلاقة مؤسسات التعليم العالي مع القطاع الخاص، وهي موضوع راهن ومستقبلي، قطعنا فيه أشواطا وننتظر المزيد بتحقيق شراكة أكثر فاعلية بين بُنى التعليم العالي ومؤسساته وشركات القطاع الخاص، بالتركيز على الأولويات في الحاجات التنموية المستقبلية وأبرزها المهارات التقنية والمهارات المتعلقة بشكل مباشر بعصر المعلومات وثقافة المعرفة التي باتت سمة العصر والتي أكد عليها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في ضرورة الانتقال من فكر العلم إلى فكر المعرفة، حيث أن الأول هو مجرد تراكم في العلوم أما الثاني فيعنى بنقل التراكم إلى توظيف مفيد في المجالات الحياتية المختلفة.
وفيما يختص بأدوار القطاع الخاص فهي كثيرة يصعب حصرها وهي أيضا متجددة ونشطة في ظل تجدد الفكر التنموي والتصاقه بالمتغيرات الكونية، ويمكن الإشارة لأمثلة بسيطة مثل مجالات التدريب أثناء الدراسة وفرص العمل بعد التخرج والتركيز على بناء المهارات المستقبلية وتعزيز فكر الإبداع والابتكار والثقة بالذات لدى الشباب.
من النقاط الجديرة بالنظر أيضا، في إطار مؤتمر باريس: موضوع طرح مهارات جديدة تتيح فرص عمل جديدة للشباب، وهي نقطة تفتح الأفق نحو تعديل بعض أنظمة تفكيرنا الاستاتيكية تجاه نظام ديناميكي قادر على توليد الأفكار والرؤى بما في ذلك توليد فرص غير منتجة من قبل في دوائر العمل، ومن هذه المجالات المفتوحة للمستقبل، هناك الكثير في مجال الخدمات والمعلومات وإنتاج المعرفة وتسويقها وجميعها مجالات تحتاج إلى مهارات جديدة خارجة عن نمط الأنظمة التقليدية في الإدارة والعمل.
قد قطعت السلطنة أشواطا جديرة بالانتباه في مجال التعليم العالي، وفي تكامل العملية التعليمية مع مستقبلاتها من قطاعات عام وخاص وتشاركي الخ… بيد أن التطلع يكون دائما إلى المستقبل عبر تجاوز التحديات التي تواجه قطاع التعليم العالي وطرح الحلول العملية لمواجهة هذه التحديثات والتغلب على الحواجز التي تحول دون تطور قطاع التعليم العالي على النحو المنشود.




















