مع استمرار المشاورات الداخلية التي يقودها رئيس مجلس الوزراء المكلف سعد الحريري، على أكثر من مستوى وخط سياسي، لبلورة ولادة حكومة الوحدة الوطنية، بقي الشأن اللبناني في دائرة حركة خارجية باتجاه بيروت التي وصلها أمس وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير آتياً من دمشق، على أن يصلها غداً وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير وينتقل منها الى سوريا.
في غضون ذلك، نقلت وكالة "الأنباء المركزية" عن أوساط قريبة من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، أجواء مفادها "ان الانفراجات الحاصلة على المستوى العربي تسهم في معالجة الاوضاع في لبنان وتذليل عقبات أساسية، غير ان تشكيل الحكومة يبقى شأناً داخلياً يعدّ في داخل المطبخ اللبناني وليس خارجه"، واشارت الى ان الرئيس المكلف "كان وضعه في صورة هيكلية حكومة الوحدة الوطنية التي اعدّها واتفق معه على استكمال المشاورات من اجل حكومة وحدة يشترك فيها الجميع"، مؤكدة ان سليمان "وفور جهوز مثل هذه الصيغة، فإنه سيعمد الى توقيع مرسوم تشكيلها مباشرة لأنها تكون بذلك حكومة تعكس ارادة اللبنانيين، كل اللبنانيين بعيدا عن مبدأ توزيع الحصص والنسب والثلث والثلثين".
إذاً، على صعيد مشاورات التأليف، استقبل الرئيس الحريري وزير الاتصالات في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل موفدا من رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، وعرض معه على مدى ساعة المستجدات المتعلقة بموضوع تشكيل الحكومة. وبعد اللقاء وصف باسيل الاجتماع بـ"الجيد جداً".
بموازاة ذلك، أكد رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجيه من الرابية أنّه إلى جانب النائب عون "في كل المواقف التي يتخذها بالنسبة الى المشاركة في الحكومة أو عدمها"، وأكد "إصرار المعارضة على الثلث الضامن في الحكومة بصورة أو بأخرى"، مشدداً على احترامها "حصة رئيس الجمهورية"، مضيفاً "ولكن نحن لنا حصتنا والرئيس له حصته". وشدّد فرنجية على أنّ الرئيس بشار الأسد "لا يأخذ القرار عنّا".
بدوره، شدّد وزير الشباب والرياضة طلال ارسلان بعد لقائه عون أيضاً، على انه "لا يوجد نصف مشاركة في قاموسنا، فإمّا مشاركة كاملة أو لا مشاركة من قبلنا"، معتبراً أن "من يُراهن على أن سوريا تضغط على المعارضة فهو مخطئ، لاسيّما أن سوريا ليست في هذا الوارد، ونحن لن نقبل بدور هامشي في الحكومة(..)".
دمشق
ومن دمشق، أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم بعد لقائه الوزير شتاينماير، أن بلاده "لن تتدخل في تشكيل الحكومة المقبلة"، وقال ان "ما يهم سوريا من الحكومة اللبنانية أن تكون حكومة شراكة ووفاق وطني بين الأطراف اللبنانية بحيث تؤدي إلى استقرار لبنان، وأن يكون لدى هذه الحكومة رؤية شاملة لطبيعة العلاقات المستقبلية بين سوريا ولبنان، آخذين بعين الاعتبار العلاقات التاريخية بين البلدين"، وأضاف أن "ما يهمّ سوريا أن تعرف التوجّه اللبناني في ما يتعلق بالعلاقات مع سوريا"، ولفت الى أن "العلاقات اللبنانية السورية لا تمرّ عبر طرف ثالث، مشيراً الى ان "الاتصالات مع السعودية مستمرة ولا تنحصر بالملف اللبناني(..)".
ولفت المعلم الى أن "الاتصالات السورية ـ السعودية التي جرت الأسبوع الماضي تطرقت إلى الأوضاع الإقليمية والتحضير للمرحلة المقبلة وليس فقط للموضوع اللبناني"، مشدداً في الوقت ذاته على أن سوريا "لا تتدخل في الشأن اللبناني(..)".
شتاينماير
ومن بيروت، هنأ الوزير شتاينماير الرئيس الحريري على "اجراء الانتخابات التشريعية وعلى نتائجها"، معرباً عن اعتقاده بأن هذا الأمر " يشكل إشارة تشجعنا في عملنا"، وخاطب الرئيس المكلّف بالقول "لقد بدأت عملية تشكيل الحكومة والمحادثات مع القوى السياسية المختلفة الممثلة في مجلس النواب، ونتمنى لكم كل النجاح والتوفيق في تحقيق سياستكم الطموحة الرامية الى اصلاح الإدارة والإقتصاد، ونتمنى لكم ان تجدوا الأعضاء المناسبين لحكومتكم"، مضيفا "لقد بحثنا الوضع في المنطقة من دمشق الى بيروت، لافتاً الى "ان هناك مجالات وفرصاً ناتجة عن مبادرة الرئيس الاميركي باراك أوباما، وعلى كل الأطراف الافادة منها لبدء حوار لنستفيد منها(..)".
وكان شتاينماير استهل زيارته لبيروت بلقاء الرئيس سليمان الذي دعا ألمانيا والمجتمع الدولي الى الضغط على اسرائيل للمباشرة بتنفيذ المبادرة العربية للسلام ضمن المهل التي دعت اليها القمة العربية الاخيرة في الدوحة، والتي لقيت دعماً من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية.
باريس
توازياً، (باريس- المستقبل) يصل الوزير كوشنير الى بيروت غداً في زيارة تستمر يومين، ينتقل بعدها الى سوريا. وأعلنت الخارجية الفرنسية في بيان، ان "الوزير الفرنسي سيلتقي كلا من الرئيس ميشال سليمان ورئيس الوزراء الحالي فؤاد السنيورة ورئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري. كما سيعقد لقاءات مرتقبة ايضاً مع ممثلين عن كل من الاكثرية النيابية والمعارضة".
ورداً على سؤال، قال الناطق باسم الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه "لقد سررنا للخطوات التي قام بها السوريون عندما افتتحوا سفارة لهم في بيروت وتبادلوا السفراء مع لبنان. وهذا نعتبره خطوة اساسية باتجاه الاستقرار في المنطقة، وجعلنا نؤمن ان سوريا بإمكانها ان تلعب دوراً أكبر في جلب السلام الى المنطقة بأسرها ولعب دور ايجابي ولهذا قررنا تقوية علاقتنا بها".
المواقف الداخلية
في المواقف، أكد البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، ان "الإستقرار السياسي والأمني يعزز الحركة الإقتصادية ويشجع عودة المغتربين الى لبنان" آملا أن "يترسخ هذا الإستقرار ويساند اللبنانيون بعضهم بعضاً للنهوض بوطنهم والعودة به الى سابق عهده من الإزدهار".
من جهته، أكد عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت "ان المعادلات الحكومية لا تبحث في الإعلام انما في غرف مقفلة بين الرئيس المكلّف ورئيس الجمهورية وبعض القيادات"، ورفض إعطاء مهلة زمنية معينة لتشكيل الحكومة، لكنه توقّع "ان نصل الى نتيجة معينة نهاية الاسبوع او بداية الاسبوع المقبل(..)".
بدوره، اعتبر عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب انطوان زهرا، ان "مرحلة التفكير الجدي في مسألة توزيع الحصص بدأت بعد ان توقف الكلام عن تفويض سوريا بالتسهيل أو العرقلة"، وأشار الى ان رئيس الحكومة المكلّف "لم يدخل مرحلة توزيع الحصص حتى الآن بل دخل في مرحلة الصيغة الحكومية(..)".
أمن بيروت
على صعيد آخر، اتخذ مجلس الأمن المركزي إثر اجتماعه أمس برئاسة وزير الداخلية زياد بارود "قراراً حازماً بمنع اطلاق النار منعاً باتاً في المناسبات السياسية والدينية والاجتماعية تحت طائلة ملاحقة مطلقي النار وتوقيفهم وإحالتهم إلى القضاء، وذلك بموازاة استمرار ملاحقة جميع الذين شاركوا في عمليات إطلاق النار وتعميم أسمائهم على لوائح المطلوبين"، كما أقرّ "تعزيز التواجد العسكري والأمني في المناطق الحساسة التي شهدت توتراً في الآونة الأخيرة والتشدد في ملاحقة مسبّبي حوادث الشغب وتوقيفهم(..)".
إلى ذلك، أكد عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد قباني، ان اجتماع دار الفتوى لجعل بيروت مدينة آمنة منزوعة السلاح "يحضّر له على أساس العمل بجدّية لكي لا يفشل، وممنوع أن يفشل، كما أنّ هناك نقاشاً بشأن الكلام الذي سيصدر عن الاجتماع"، وحذّر من ان "المذهبية لم تبدأ اليوم وهي تتجذّر أكثر وأكثر".
"المستقبل"



















