-1-
ما شهدته الجمهورية الاسلامية الايرانية قبل انتخاباتها الرئاسية التي اجريت في الثاني عشر من حزيران الماضي، من حرية حركة بين المتنافسين على هذا المنصب ومناظرات تلفزيونية تشبه الى حد ما المناظرات التي يجريها الغرب الديموقراطي، اثار اعجاب العالم الديموقراطي الحقيقي ودفعه الى توقّع تطورات انفتاحية داخلياً وخارجياً، وان ببطء ولكن بثبات. كما اثار انزعاج العالم المتخلّف الذي تشكل الجمهورية المذكورة جزءاً منه، لانه بعيد من الديموقراطية بُعْد السماء عن الأرض كما يقال رغم مبالغته في الحديث عنها واجتهاده في اعطائها صفات ليست فيها اساساً ولا يمكن ان تكون. لكن ما شهدته الجمهورية نفسها بعد الانتخابات الرئاسية، ايقظ العالم الديموقراطي من حلم الاعجاب المذكور وجعله يدرك ان النظام الحاكم فيها، رغم اختلافه الكبير عن محيطه العربي والاسلامي، لا يزال جزءاً من هذا العالم في تخلفه وفي الخوف على نفسه من التغيير، وان بواسطة الاقتراع الشعبي والإصرار على انه يعرف مصلحة الناس اكثر منهم وانه يستطيع ان يؤمّن لهم العدل وفرص العمل والازدهار والحياة والكرامة والاستقلال والقوة والدور الكبير في المنطقة وربما في العالم من خلال معادلة يمتزج فيها الدنيوي بالديني او بالأحرى بالإلهي الامر الذي يجعل الحاكم الفعلي في الجمهورية الاسلامية الايرانية الذي هو المرشد والولي الفقيه معصوماً من الخطأ.
طبعاً حفلت وسائل الاعلام المتنوعة في العالم كله بتغطيات واسعة لإيران في ظل المخاض الرئاسي العسير فيها والاضطرابات التي رافقته، وبتحليلات كثيرة شاب التناقض معظمها وذلك في محاولة منها لفهم ما جرى، والأهم من ذلك لفهم ما قد يجري مستقبلاً في ضوء ما اسفر عنه المخاض المذكور وهو تراجع الاحتجاج الشعبي والقمع الرسمي له واستمرار الإنقسام غير العنفي داخل النظام الحاكم ومعه محاولات التواصل والتشاور بغية ايجاد مخارج تؤمّن المطالب العادلة للإصلاحيين، وتزيد من قوة النظام الاسلامي الحاكم، وتقطع الطريق على كل من حاول داخل ايران ومن خارج النظام اطاحته او على الاقل اضعافه لضربه، ومن حاول من خارجها استغلال ما حصل لتحقيق النتيجة نفسها.
هل يمكن الحصول على تقويم علمي وموضوعي ودقيق لما حصل في ايران بعد 12 حزيران الماضي يُمكّن اللبنانيين من ادراك ابعاده وهم الذين صارت ايران تؤثّر في حاضرهم ومستقبلهم منذ تأسيسها "حزب الله" فيه بين عامي 1982 و1985 وبعدما تحوّل رقماً صعباً جداً في لبنان، وكذلك بعدما صارت ايران بواسطته وبواسطة غيره من دول ومنظمات القوة الكبرى داخل عدد من الدول العربية وخصوصاً تلك المحيطة باسرائيل؟
كان لا بد من السعي الى الحصول على تقويم من هذا النوع. ولم يكن هناك، في رأيي طبعاً، افضل من المرجع الديني الأبرز في التيارات الاسلامية الاصولية الشيعية اللبنانية، بل المؤسس لها الذي طالما استعانت به هذه الزاوية لجلاء قضايا لها علاقة بلبنان ومحيطه، وذلك نظراً الى ما يتحلى به من علم ومعرفة وحكمة وموضوعية واطّلاع وبُعْد نظر واستشراف. وكلها صفات لم يؤثّر عليها سلباً التزامه الديني الأصولي، اذا جاز التعبير.
في بداية اللقاء معه بادر المرجع المذكور قائلاً:
"لا بدّ من دراسة السياق العام للإنتخابات في ايران منذ قيام الجمهورية الاسلامية، حيث نلاحظ ان هناك حرصاً من الإمام الخميني، ولعله تكرّس واقعاً من الصعب تغييره، على ان تكون للشعب كلمته الحرّة في اختيار من يمثله على مستوى الرئاسة او غير الرئاسة من الأمور التي للشعب فيها تصويت مباشر… ولعل اللافت ان الإمام الخميني طرح التصويت الشعبي على النظام الإسلامي نفسه، والشعب نفسه صوّت لمصلحة الجمهورية الاسلامية. ونحن نلاحظ – في تجربة الانتخابات – بعد رحيل الإمام الخميني ان الشعب كان يفاجئ كل التوقعات في انتخابه المرشحين للرئاسة… وإذا اعتبرنا – مع شيء من التحفّظ – أن هناك اشخاصاً لم يكن ثمة انسجام تام بينهم وبين قائد الجمهورية الاسلامية على مستوى الخطاب او الحركة السياسية او الإدارية للحكم، فان هؤلاء تمّ انتخابهم لدورتين، كما قد يلاحظه البعض في مرحلة السيد خاتمي الذي انتخب لولايتين متتاليتين.
ولذلك، فان الجوّ العام الذي يحكم القواعد العامة لحركة الانتخاب في الدولة قد لا يسمح باللعب بمسألة الحرية الانتخابية للشعب الايراني لأننا نعتقد أن هذا الشعب أثبت أنه يعيش روح الحرية بشكل كبير جداً.
مع ان إدارة العملية الانتخابية نفسها تخضع لآليات يتحدث كثير من المطلعين انها تكاد تجعل اي عملية تزوير ضرباً من الاستحالة الواقعية".
واضاف: "هنا نقطة تنبغي ملاحظتها، وهي انه لا يمكن ملاحظة ايران من خلال المدن الكبرى فقط. فهناك عوامل اخرى تلعب دوراً في عملية اختيار الناس بين المرشحين، ولاسيما في المناطق الفقيرة او النائية، مما قد يرجع الى السياسة التي مارسها الرئيس نجاد قبل سنوات، وخصوصاً في مسألة الانفاق الاقتصادي. وهذا امر قد يخضع للمناقشة والنقد الداخلي للسياسة الاقتصادية التي اعتبر البعض انها اقتصاد الإحسان او الصدقات وما الى ذلك، مما قد يراه البعض بعيداً من طبيعة الضوابط التي ينبغي ان تحكم السياسة الاقتصادية في حركة الدولة".
هل من دور لما تعيشه إيران مع الخارج في ما جرى بعد انتخاباتها الرئاسية؟
"النهار"




















