بعض الأنماط العنفية المعيشية والاجتماعية (مقاربة أولية في ضوء الحرب السورية)

طلال المصطفى

مقدمة

برزت الصراعات المسلّحة على إثر الثورة السورية 2011 وما نتج عنها من نزوح داخل سورية وتهجير إلى خارجها، وانهيار الأنشطة الاقتصادية، وتدهور المستوى المعيشي لمعظم السوريين، وارتفعت معدّلات الفقر المدقع ارتفاعًا مطردًا، وهذا ما عكس تدهورًا في فرص كسب العيش والتآكل التدريجي لقدرة السوريين الشرائية إثر التضخم المرتفع، خاصة فئة الفقراء. ومن المتوقع أن تستمر الظروف المعيشية في التدهور في سورية، نتيجة الصراع طويل الأمد، وعدم وجود بوادر للحل السياسي في سورية على المدى القصير.

برز العنف المعيشي في سورية قبل 2011، من خلال مؤشرات اقتصادية تتعلق “بضعف المشاركة في قوة العمل، وضعف الإنتاجية، وتعمّق الفقر وتوسّعه وتعدد مظاهره، والتفاوت في الدخل ومقومات العيش، وتوسع القطاع الحكومي غير المنظم، والتضييق على المبادرات الاقتصادية الجديدة”[1].

وقد حُصر العنف في سورية في سنوات الحرب بالدم والرصاص، مع تجاهل لأنماط عديدة من العنف الاجتماعي، على رأسها العنف المعيشي الذي يقف وراء كل أشكال العنف المجتمعية المنتشرة في الأنساق الاجتماعية السورية، حيث يمارسه النظام السوري على السوريين دون إراقة الدماء، وبأسلوب خفي عن الأنظار، للوهلة الأولى.

ولا يمكن فصل الممارسات العنفية الاجتماعية عن الممارسات العنفية في السياق السياسي الذي نشأت فيه أو تقوم في ظلّه، فرمزية السلطة في سورية، كحكم استبدادي مطلق، تنساق على كلّ الأنساق الدينية والثقافية والاجتماعية، وأيّ تغيير في هذه الأنساق يمكن اعتباره تهديدًا للنظام السياسي السوري ككل، حيث تقوم بنية هذا النظام على إبقاء الثقافة التسلطية سائدةً فيها، وفق تدرج تراتبي سلطوي وقمعي، وبذلك يصبح النظام الاجتماعي السوري مسيسًا إلى حدّ ما، وهنا تنشأ مجموعة من العلاقات داخل المنزل، تخضع لهذه السياسات التي تعتمد على هيمنة الأب على بقية أفراد الأسرة أولًا، وينوب عنه الابن الذكر الأكبر في حال غيابه، وهي هيمنة تقوم على أسس تمييزية بين الذكور والإناث في عمقها.
ويبقى الضغط الذي تشكّله البيئة الاجتماعية هو العامل الأقوى في تفجير العنف داخل الأسرة، حيث تشير الدراسات إلى أن النزاعات والتصدعات الأسرية تؤدي إلى تفاقم العنف، وخاصة ضد المرأة، وقد تأثرت المرأة السورية بشكل مباشر بتبعات الحرب، إذ عانت التهجير والنزوح لأكثر من مرة، في حالات عديدة، مع غياب الرجل عن العائلة، في كثير من الأحيان، وأسهم ذلك في تعرّضها لأشكال جديدة من العنف والابتزاز، مع عدم توافر المال والمسكن الآمن، وخصوصًا عند محاولتها الحصول على عمل، مع غياب الإمكانات العلمية أو المهارات أو الخبرة السابقة لديها، كل ذلك عرّضها لمعتدين ومتحرشين ومبتزين، ضمن أجواء عامة غير آمنة بسبب الحرب.

تبرز أهميّة هذه الدراسة من الخطورة التي تنطوي عليها مشكلة العنف الاجتماعي، بوصفه مؤشرًا لحدوث كثير من الانقسامات والتناقضات والتوترات، داخل نطاق المؤسسات المجتمعية السورية، ولكونه جامعًا لمجالات اجتماعية متعددة، تحمل نماذج ثقافية تتحكم في مختلف القيم والمعايير التي يخضع لها أفراد المجتمع السوري، في سياق التفاعل الاجتماعي، ولكونه لصيقًا بالحياة الاجتماعية للناس، وإن كان مضادًا لها؛ فالعنف مرافق للكراهية والرغبة في الانتقام والتدمير، ولذلك من الأهمية العملية الكشف عن المؤسسات الاجتماعية التي أسهمت في وصول حالة العنف في سورية بعد 2011، إلى حالة مركبة ومتغلغلة في الأنساق الاجتماعية كافة.

ولكون العنف في ظهوره بالشدة التي نشهدها اليوم، في أنساق المجتمع السوري كافة، يحتاج إلى مقاييس ومسوحات استقصائية، للوصول إلى مؤشرات علمية دقيقة عن الأنماط العنفية السورية، التي لا يمكن إجراؤها في هذه الدراسة؛ فإننا نكتفي في هذه الدراسة بتقديم مؤشرات نظرية عن الأنماط العنفية المعيشية والاجتماعية لدراسات تطبيقية تفصيلية تخصصية في المستقبل، تعتمد المقاييس العنفية المتعارف عليها علميًا.


[1] – ربيع نمر وآخرون، الأزمة السوريّة: الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية، المركز السوري لبحوث السياسات في الجمعية السورية للثقافة والمعرفة، دمشق. 2013. الرابط: http://bit.ly/3EvZ014

يمكن قراءة البحث كاملًا بالضغط على علامة التحميل:

“مركز حرمون للدراسات المعاصرة”
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

ديسمبر 2022
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.