لا جدال في صحة القول إن تراجع التشنجات على الساحة اللبنانية يعود إلى مناخات التقارب والانفتاح الدولي – العربي والعربي – العربي التي ترتكز، حتى إشعار آخر، إلى سياسة الانخراط في حوار مع إيران وسورية من قبل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وإلى المصالحة السعودية – السورية التي يسعى الجانب السعودي للانطلاق منها من اجل التشجيع على مصالحة مصرية – سورية، تنتظر القاهرة أفعالاً سورية عملية تساعد على توحيد الموقف الفلسطيني، لإنجازها.
فمن دون هذه المناخات، لما كان ممكناً طرح مسألة زيارة رئيس الحكومة اللبنانية العتيدة وزعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري لدمشق، بعد تأليفه الحكومة، تحت عنوان فصل العلاقات اللبنانية – السورية عن المحكمة الدولية في قضية اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولربما لما كان أكيداً ان الحريري الابن سيتولى مسؤولية الرئاسة الثالثة في لبنان. ولما كان ممكناً لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ان يدلي بالمواقف الإيجابية التي يدلي بها حيال سورية التي كان وصل في العداء معها إلى ذروة عالية جداً كانت أقرب إلى نقطة اللاعودة. ولما كان ممكناً لقوى في المعارضة مثل الرئيس نبيه بري ان تبادر إلى طرح فكرة خلط الأوراق بين الأكثرية والمعارضة… ولا يلغي القول ان ثمة دينامية داخلية تفرض التعديل في الخطاب السياسي، العامل الحاسم الذي يتشكل من المناخات الخارجية التي تسحب نفسها على الداخل اللبناني، على رغم صحة الحديث عن تلك الدينامية الداخلية. فلولا نتائج الانتخابات النيابية في الشهر الماضي والتي انتهت إلى فوز قوى 14 آذار، لما كانت المناخات الخارجية نفسها أخذت هذا المنحى المتسارع، على الأقل على صعيد الاتصالات السعودية – السورية. ولكان الانفتاح الأميركي على سورية، ومعه الأوروبي، أخذ وتيرة بطيئة أكثر. ولولا تلك النتيجة لما شعر الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله بالحاجة إلى الاجتماع سريعاً مع الحريري، ثم بالاجتماع ايضاً مع جنبلاط. ولولا المخاوف من تمادي الفتنة السنّية – الشيعية (التي تسعى القوى الإقليمية، ولا سيما السعودية إلى إطفائها) لما واصل الحريري سياسة مد اليد واعتمد سياسة طويلة النفس في سعيه إلى حكومة وحدة وطنية، ولما ذهب جنبلاط الخائف من تنامي الحساسية الشيعية – الدرزية إلى درجة الدعوة إلى تجمع قوي بينه وبين تيار «المستقبل» و «حزب الله» والرئيس بري لتنقية الأجواء الإسلامية، بالتزامن مع اشتياقه لزيارة دمشق… الخ.
لكن يبقى ان هذه الدينامية الداخلية التي تدفع زعامات محلية إلى أخذ المبادرات، تظللها المناخات الخارجية ايضاً، بل ان هذه الزعامات، حتى عندما تأخذ المبادرات الداخلية فإن مصدر مبادراتها هو الرهان على ان تعينها المناخات الخارجية على آلية تنفيذها.
وإذا كانت زعامات محلية قادرة على التكيّف مع تلك المناخات في سرعة، قد تفوق التبدلات الحاصلة في المعادلة الإقليمية أحياناً، مثلما يفعل جنبلاط الذي يسابقها، ويؤخذ عليه أنه يذهب أبعد مما وصلت إليه ويغالي في مواكبتها، فإن أطرافاً آخرين، لا سيما في المعارضة يتأخرون عنها كثيراً ويحتاجون الى الكثير من الوقت من اجل التكيّف معها.
فالمصالحة العربية في حد ذاتها تلغي فكرة الثلث المعطل داخل الحكومة لأنها صيغة نشأت بعد ان وصل الخلاف السعودي – السوري الى ذروة غير مسبوقة. احتاجت معها دمشق، بعد خروجها من لبنان وتقلص تأثيرها داخل السلطة التنفيذية والبرلمان الى القدرة على النقض، في مواجهة سياسة عربية مناقضة كلياً لسياستها في لبنان هي السياسة السعودية – المصرية. ومع حصول المصالحة يصبح هذا الثلث بلا الوظيفة الإقليمية التي نشأ بموجبها.
وفي ظل الانفتاح الأميركي على سورية ولجم واشنطن لفكرة الحرب الإسرائيلية على إيران واتجاه أوباما إلى منطق التفاوض والضغوط الاقتصادية (في أسوأ الحالات) مع إيران تلغى الوظيفة القتالية لـ «حزب الله»، وتتحول إلى وظيفة دفاعية في أحسن الأحوال، بحيث يحتاج الحزب إلى تموضع مختلف في العلاقة مع خصومه المحليين ولا يعود في حاجة إلى ممارسة السلطة بالسلاح الذي يملكه، كقوة مضافة تفيض عن حجمه المحلي في المعادلة اللبنانية السياسية – الطائفية، فيصر على أخذ حصته في الحكم وعلى ملاقاة انفتاح الأكثرية وعلى علاقة جيدة مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
ولعلّ قول الرئيس بري مطلع الأسبوع ان «سلام لبنان ووحدته واستقراره تمثل أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل» هو الأبلغ للدلالة إلى استبدال الدور السياسي بالوظيفة القتالية.
نقاط التكيّف مع المناخات الخارجية من أطراف محلية كثيرة. وأحد أبرزها هو دور رئيس الجمهورية في لبنان. فإذا كان من إجماع خارجي على شيء قبل ان تتقدم مناخات المصالحة العربية فهو الدور المركزي للرئاسة في استعادة دور السلطة اللبنانية… وهو أمر يفترض ان يترسخ مع تطور المصالحة.
"الحياة"




















