تطوّرات فاصلة مستقبلاً سوف تتوقف على نتائج اجتماع قمة الدول العشرين التي تعقد في العاصمة الأميركية واشنطن. ربما الوقت مبكر لتقييم تلك النتائج أو معرفة أبعادها الفعلية، إلا أنه من الآن لا بد من اعتبارها مفترق طرق أمام النظام الاقتصادي العالمي، كما يراها البعض، أو مجرد جولة لكسب الوقت، كما يريدها بعض آخر.
هذه القمة العشرينية تملك الدول المشاركة فيها 85 في المئة من ثروات العالم وتضم ثلثي سكانه، لكن الأكثر أهمية من ذلك هو الظرف الدقيق الذي تنعقد فيه والملابسات التي أحاطت بها. فمن الناحية الإجرائية كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هو أول من دعا إليها باسم الاتحاد الأوروبي وسافر إلى واشنطن ليقنع بها الرئيس الأميركي جورج بوش مع معرفته بأن إدارته في الطريق إلى مغادرة السلطة وشيكا. وكان واضحا أن بوش لا يريد هذه القمة أساسا، ولا يريدها تحديدا بالمضمون الذي تدعو إليه أوروبا. لكنه وافق على مضض. ربما لأنه كان لا يزال لديه أمل في أن تسفر الانتخابات الأميركية الوشيكة عن نجاح جون ماكين فيصبح هو استمرارا للحزب الجمهوري في السلطة وبالتالي استمرارا لسياساته.
نتائج الانتخابات الأميركية جاءت حاسمة. ولم يذهب 66 في المئة من الناخبين الأميركيين إلى صناديق الاقتراع فقط وإنما ذهبوا ليجيئوا بباراك أوباما إلى السلطة، وهو الذي اتهمه المنافس الجمهوري بأنه «اشتراكي» من حيث برنامجه الذي يقوم على فرض الضرائب على الأثرياء وتخفيضها أو إلغائها على 95 في المئة من الأميركيين، وهم الذين يشكلون الطبقتين المتوسطة والعاملة. الناخب الأميركي لم يجئ إلى السلطة برئيس من حزب المعارضة فقط وإنما كفل له ولحزبه أيضا أغلبية في كل من مجلسي الكونغرس أكبر من أي أغلبية كان الحزب الجمهوري حققها طوال 12 عاماً من السيطرة على المجلسين.
وحينما نصّب الأميركيون جورج بوش الابن على السلطة قبل 8 أعوام كان العالم يسوده شبه سلام والجيش الأميركي خال من التبعات وسعر برميل البترول 32 دولارا والاقتصاد الأميركي ينمو بمعدل يقارب ثلاثة في المئة والدّين العام أقل من 6 تريليونات دولار والحكومة الفيديرالية تنعم بفائض ملموس في الموازنة. وحتى في أحداث 11/9/2001 تضامن العالم كله تقريبا مع أميركا، وفي فرنسا خرجت جريدة «لوموند» بعنوانها العريض غير المسبوق «اليوم كلنا أميركيون». وكان الرئيس الروسي أول من اتصل بالرئيس الأميركي مؤاسيا وعارضا كل مساعدة ممكنة.
فارق كاسح يفصل واشنطن جورج بوش تلك عن واشنطن التي سيدخل باراك أوباما إلى بيتها الأبيض وشيكا. الرئيس الجديد يرث حربين أميركيتين في العراق وأفغانستان وقوات أميركية مشتّتة في أكثر من جبهة وحربا عالمية على الإرهاب ومشاعر معادية لأميركا حول العالم وعجزاً في الموازنة قد يبلغ تريليون دولار في سنته الأولى وديناً عاماً تجاوز عشرة تريليونات دولار – بحد تعبير ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك – من دون أن نذكر وصول سعر برميل البترول إلى 147 دولاراً قبل أن يتراجع موقتاً إلى ما بين 65 و70 دولارا.
لكن الأهم من هذا كله هو أزمة مالية غير مسبوقة منذ الكساد الكبير في سنة 1929. فقط في هذه المرة فوجئ الجميع بأن أميركا صدّرت أزمتها إلى العالم فارتجت بسببها أسواق دولية عدة، خصوصا تلك التي كان جرى استدراجها سابقا إلى مسايرة سياسات جورج بوش، من إلغاء الضوابط المعتادة على سوق المال وإطلاق العنان للرأسمالية المتوحشة.
في البداية ظن قادة العالم أنهم في مأمن من الأزمة الأميركية. رئيس البرازيل مثلا أعلن بكل ثقة أن «أزمة بوش» لن تؤثر في البرازيل. وأعلن رئيس فرنسا أنه لن يسمح للأزمة بأن تمتد إلى بلاده. وأعلنت مستشارة ألمانيا أن بلادها ليست بحاجة إلى إجراءات استثنائية للوقاية من آثار الأزمة. لكن وبسرعة، تبخّر كل هذا التأكد واكتشف الجميع أن «الفيروس» المالي الأميركي تسلل إلى أسواقهم ومؤسساتهم المالية من خلال أوراق ومشتقات ابتدعتها البنوك والمؤسسات المالية الأميركية بتشجيع مستمر من البنك المركزي (الاحتياطي الفيديرالي) الأميركي.
مسؤول كبير في إحدى دول الخليج قال إن ما يجري ليس أقل من «حرب اقتصادية خفية». لكن ميشال روكار رئيس وزراء فرنسا السابق كان أكثر تحديدا وصراحة حينما كتب في جريدة «لوموند» إن ما جرى هو «سرقة صريحة» لأموال دول أخرى وإن هذا يصل إلى رتبة جريمة ضد الإنسانية. خبراء أكاديميون قالوا إن في مقدم أهداف تلك الأزمة المالية هو الاستيلاء على الفوائض المالية لدول الخليج التي حققتها خلال الطفرة في أسعار البترول.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أثناء القمة الآسيوية – الأوروبية في بكين رفضت الصين الدعوة الفرنسية إلى أن تضخ جزءا من السيولة النقدية التي تتمتع بها في الأسواق والمؤسسات المالية الأميركية والأوروبية. بعدها قام نائب وزير الخزانة الأميركي بزيارة دول الخليج طالبا المساعدة نفسها. ثم أعقبه غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا ملحاً على دول الخليج نفسها بمساهمات مالية أكبر للتعاون على حل أزمة مالية لم تكن هي سببا فيها وإنما ضحية لها. وقدر تقرير لمؤسسة «مورغان ستانلي» أن صناديق الثروة السيادية الخليجية التي اعتبرت في فترة من الفترات فارس الإنقاذ للمؤسسات المالية الأميركية ربما تصل خسائرها إلى 25 في المئة في هذه السنة، أي ما يصل إلى 625 بليون دولار.
وخلال جولته الخليجية تابعت حوارا تلفزيونيا مطولا مع رئيس وزراء بريطانيا يلح فيه على مطالبة دول الخليج بتلك المساهمات المالية المتضخمة. وفي سياق الحوار سألته المذيعة عما لديه أو لدى الغرب من مقابل تحصل عليه دول الخليج إذا استجابت لدعوته. كررت السؤال ثلاث مرات، وفي المرات الثلاث راوغ في الإجابة. يعني: أموال دول الخليج مطلوبة فورا، وبسرعة، لكن مجانا.
دول الخليج، مثل الصين ودول أخرى، لا تمانع في المساعدة، إنما بشروط ومخاوف. من المخاوف مثلا أن أميركا في ضغطها على الدول الأخرى خارجيا لكي تتحمل جانبا ملموسا من الخسائر إنما تتماثل مع ما سعت إليه داخليا من استخدام أموال دافعي الضرائب مجانا لإنقاذ المؤسسات المالية نفسها التي تسببت في الأزمة. ومن المطالب مثلا أن يتم التعامل مع الأزمة بمنهج شامل وليس بخطوات متفرقة جزئية بما يكفل دورا أكبر للدول صاحبة الاقتصادات الناشئة في النظام المالي الدولي ورمزه الواضح هنا هو صندوق النقد الدولي. غير معقول مثلا أن تستمر الحصة التصويتية لدولة مثل بلجيكا (11 مليون نسمة) أكبر من الحصة التصويتية لدولة في حجم الصين (1300 مليون نسمة).
رجال السياسة تسابقوا في عقد الاجتماعات، من عاصمة بلجيكا إلى عاصمة البرازيل، سعيا إلى توحيد الرؤى وتشكيل المواقف استعدادا لقمة العشرين في واشنطن. هذه المجموعة تأسست سنة 1999 في العاصمة الألمانية برلين وتضم الدول الثماني الكبرى (أميركا، اليابان، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، كندا، إيطاليا، روسيا) إضافة إلى الصين والهند والسعودية والأرجنتين واستراليا والبرازيل وإندونيسيا والمكسيك وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي ورئيسي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
في البرازيل اجتمعت الدول العشرون على مستوى وزراء المالية، ثم اجتماع داخل الاجتماع واجتماع على هامش الاجتماع تشاورا في الطريق إلى واشنطن. والنغمة السائدة عبّر عنها وزير مالية البرازيل بقوله: «إن آليات النظام المالي الدولي القائمة منذ سنة 1944 لم تعد تلائم عالم اليوم ولا بد من تغييرها جذريا» مضيفا أنه: «لا جدوى من أن نزيد من مشاركتنا المالية إذا استمرت الدول الكبرى تتمتع بحق النقض/ الفيتو» قاصدا أميركا تحديدا التي تتمتع بمفردها منذ سنة 1944 بحق النقض على قرارات وسياسات صندوق النقد الدولي.
رئيس وزراء بريطانيا، وبمفهوم آخر، يدعو إلى نظام مالي عالمي جديد يشمل شبكة إنذار مبكر وآلية للوقاية من الأزمات. أما رئيس فرنسا فأعدّ باسم الاتحاد الأوروبي مذكرة لعرضها في قمة واشنطن هي بالتأكيد أكثر طموحا من دعوة بريطانيا. أما ألمانيا فهي متحمسة فقط لفرض قيود على صناديق التحوط، التى هي أساسا صناديق أميركية قامت بتخريب أسواق وعملات دول من خلال المضاربات المالية.
في الطريق إلى واشنطن واجتماع الدول العشرين فيها أعلنت دول عدة عن خططها الخاصة للإنقاذ المالي داخليا. من الصين إلى أوروبا وروسيا والشرق الأوسط. لكن ضخامة الأزمة ومفاجآتها الكاملة لرجال السياسة جعلتهم مصممين على ألا يلدغوا من جحر مرتين، والمأزق الكبير هنا هو أن النظام المالي الدولي القائم منذ 1944 على اتفاقات وآليات صممتها أميركا يكفل لها دورا، وسلطة غير مسبوقة، كانت في حينها تتمشى مع وزنها الاقتصادي عالميا.
الآن يختلف الوضع جذرياً. أميركا الدائنة للعالم أصبحت مدينة له. والصين المعزولة عن العالم أصبحت فاعلة فيه. والدول النفطية التي كانت على باب الله أصبحت مطمعا يستكثر عليها كبار الغابة حصيلة سنوات قليلة من أسعار مرتفعة للبترول مع أنهم لم يتحركوا لمساعدتها طوال ثلاثين سنة حصل فيها الغرب على بترول هذه الدول بسعر التراب.
وسواء جرى هذا في اجتماع واشنطن أو لم يجر، فإن موازين القوى الاقتصادية العالمية تغيرت فعلياً مهما استمرت المكابرة في الاعتراف بذلك أو التكيف معه. لقد أصبحت أميركا أكثر قوة باعترافها بقوى التغيير في الداخل. وأميركا ستصبح أكثر حكمة لو اعترفت بقوى التغيير في الخارج.
* كاتب مصري
"الحياة"




















