– القاهرة
ليس هناك شك في أنه من أبرز الأحداث الدولية التي تمت أخيراً انعقاد القمة الخامسة عشرة لدول حركة عدم الانحياز في شرم الشيخ في الفترة من 11 إلى 16 تموز 2009.
وحركة عدم الانحياز التي تشكلت في نيسان من عام 1955 بلغ أعضاؤها 118 دولة تنتمي لقارات العالم المختلفة. وقد قامت في مناخ الحرب الباردة التي كانت مشتعلة بين الاتحاد السوفياتي من ناحية والولايات المتحدة الاميركية من ناحية أخرى، في محاولة من قياداتها التاريخية لخلق موقف توازني في العلاقات الدولية لا يميل بالضرورة ناحية اليمين أو ناحية اليسار للحفاظ على المصالح القومية للدول المنتمية لها، وسعياً وراء تحقيق السلام الدولي من خلال الحيلولة دون نشوب صراع عالمي، وهذه الحركة التي تمثل دولها حوالى ثلثي عدد أعضاء الأمم المتحدة، تحتل 55% من سكان العالم.
وقد أسستها قيادات تاريخية تتمثل في جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند السابق وجمال عبد الناصر الرئيس السابق لجمهورية مصر العربية، وجوزف بروز تيتو رئيس جمهورية يوغوسلافيا السابق.
وقد حدد إعلان هافانا الصادر عام 1979 أهداف الحركة وهي "الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة والتكامل الإقليمي والأمني للدول غير المنحازة وذلك في سياق صراعها ضد الإمبريالية والاستعمار والاستعمار الجديد والعنصرية وكل صور العدوان الأجنبي والسيطرة والتدخل أو الهيمنة وكذلك ضد سياسات القوى العظمى والكتل السياسية.
وقد سبق لحركة عدم الانحياز أن عقدت من قبل 14 اجتماع قمة بدأت بقمة بلغراد في ايلول 1961 وتوالت بعد ذلك اجتماعات القمة في القاهرة (1964) ولوساكا (1970) والجزائر (1973)، وكولومبو (1976) وهافانا (1979)، ونيودلهي (1983)، وهاراري (1986) وجاكارتا (1992) وكارتا جينا دي اندياس (1995) وديربان (1998) وكوالالامبور (2003) وهافانا (2006).
ومعنى ذلك أن قمة شرم الشيخ هي القمة الخامسة عشرة في تاريخ قمم الحركة وهي التي انعقدت في تموز 2009.
ومنذ انعقاد القمة وحتى صدور وثيقتها النهائية، والتي أعلنت باسم "وثيقة شرم الشيخ" والأسئلة تترى في كل أنحاء العالم: أي عدم انحياز بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وسقوط النظام الثنائي القطب وبروز النظام الأحادي القطب الذى تهيمن عليه بمفردها الولايات المتحدة الاميركية بحكم قوتها العسكرية ووزنها السياسي، ومبادراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية؟
والإجابة عن هذا السؤال المهم بسيطة وإن كانت قد تبدو مدهشة لبعض المحللين السياسيين. وهي أن حركة عدم الانحياز التي جددت نفسها في السنوات الأخيرة تجد مبرراً لوجودها ودعما لنشاطاتها لأننا في الواقع نعيش في عالم منحاز سياسياً واقتصادياً وثقافياً لمصلحة الولايات المتحدة الاميركية والدول الصناعية الكبرى وذلك على حساب الدول النامية والتي تمثل الغالبية العظمى من دول عدم الانحياز.
ومن ثمّ تبدو أهمية تجديد الحركة في سياق النظام العالمي الاحادي القطب لإعادة التوازن إلى العالم بعدما أثّرت على استقراره وأمنه الهيمنة الاميركية من ناحية والآثار السلبية للعولمة من ناحية أخرى.
ومما يؤكد هذا التفسير التحليل الدقيق لوثيقة شرم الشيخ، والتي بالرغم من تعدد توجهاتها ركزت على موضوع التوازن العالمي في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية.
ويمكن القول إن هذه الوثيقة التاريخية أشارت إلى تسع موضوعات أساسية يمثل كل منها مشكلة من المشكلات الدولية، وأشارت إلى الحلول المرغوبة بالنسبة لكل مشكلة.
وكان طبيعياً أن تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لكي تنادي بالتعاون المكثف بين كل الدول المتقدمة والنامية لتجاوز هذه الأزمة التي تشكل – بتعبير الوثيقة – أحد العوائق أمام تحقيق مزيد من التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي والسلم والأمن والتمتع بحقوق الإنسان.
وأشارت الوثيقة إلى خطورة تداعيات الأزمة العالمية على النمو الاقتصادي والتنمية في الدول النامية بشكل عام على نحو يمكن أن يؤدي إلى زيادة الفقر والحرمان في هذه الدول.
والواقع أننا كنا نتمنى أن تحدد الوثيقة المسؤولية المباشرة عن وقوع الأزمة العالمية في الولايات المتحدة الاميركية والتي تتمثل في خلق اقتصاد افتراضي أميركي قام على أساس المضاربات ومنح القروض بشكل عشوائي وتبادل الصكوك المالية بطرق معيبة يسودها الغش التجاري.
كان ينبغي إثارة القضية الأساسية وهي سيطرة السوق الرأسمالية على المجتمع من خلال كفّ يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد استجابة لتوجهات الليبرالية الجديدة التي أدت إلى نتائج كارثية في البلاد النامية.
بعبارة أخرى لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق حتى لا يطغى السوق بانطلاقاته الرأسمالية المتوحشة على المجتمع سواء في البلاد المتقدمة أو في البلاد النامية.
وتطرقت الوثيقة من بعد إلى "أن السلم والأمن العالميين لا يزالان بعيدين عن متناول البشرية بسبب نزعة بعض الدول للجوء إلى إجراءات أحادية وعدم الوفاء بالالتزامات والتعهدات التي تحملها وبخاصة المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل والتقليدية والإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي
الإنساني، وإتباع المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية".
والحقيقة أن موضوع المعايير المزدوجة يحتاج إلى وقفة نقدية. ذلك أنه في مجال التسلح الذري تتجاهل الولايات المتحدة الاميركية انفراد الدولة الإسرائيلية بامتلاك القنبلة الذرية مما يهدد في الصميم الأمن القومي العربي، في حين أنها تثير ضجة عالمية حول المشروع الإيراني في التخصيب النووي الى درجة التهديد بضرب إيران عسكرياً سواء بضربة أميركية مباشرة، أو بضربة إسرائيلية. فعلى أي أساس تُستثنى إسرائيل من حظر امتلاك الأسلحة الذرية؟
ومن ناحية أخرى يبدو ازدواج المعايير في حقوق الإنسان في أن الولايات المتحدة الاميركية التي تدّعي أنها المدافعة الأولى عن حقوق الإنسان في العالم هي التي مارست أبشع خرق لحقوق الإنسان سواء في سجن أبو غريب بالعراق أو في معتقل غوانتنامو.
أما المحكمة الجنائية الدولية التي نشطت بشكل مريب وأصدرت قراراً بالقبض على الرئيس عمر البشير بتهم موجهة له في دارفور، فقد صمتت صمتاً مريباً عن جرائم الحرب التي ارتكبها قادة إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة.
كانت الوثيقة موفقة حقاً في إشارتها الى سلبيات العولمة الاقتصادية حين أدت إلى ميزات غير متكافئة بين الدول على نحو جعل الدول النامية أشد تأثراً بتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
وهي الاتهامات نفسها التي وجهتها الحركة المضادة لمنتدى دافوس والتي انتقدت إلى ممارسات الدول الاقتصادية المتقدمة.
وقد التفتت الوثيقة – في مجال تجديد نشاط حركة عدم الانحياز – إلى أهمية مراجعة الآليات الحالية للحركة، واستكشاف آليات جديدة تضمن تمكين دولها من تقديم المساعدة لأي دولة عضو في حالة تعرضها للضرر سواء كان ذلك سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.
ولم يفت الوثيقة أن تندد بالجدار العازل الذي أقامته إسرائيل في مواجهة الضفة الغربية وأن تؤكد عدم شرعيته باعتبار إسرائيل سلطة احتلال عليها واجبات نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وليس من بينها الإضرار عمداً بسكان الأراضي المحتلة.
ويمكن القول إن وثيقة شرم الشيخ لم تقنع بإثارة المشكلات السياسية والاقتصادية التي يواجهها العالم، ولكنها ركزت أيضاً على المشكلات الثقافية.
ويمكن القول إن التحليل الثقافي للمشكلات العالمية أصبحت له الآن اليد العليا في مجال البحث العلمي والاجتماعي، بعدما تبين قصور المناهج السياسية والاقتصادية التقليدية في مجال معالجة الظواهر المعقدة التي يزخر بها العالم وخصوصاً في عصر العولمة التي تمحو الحدود، وتطلق مجالات لا حدود لها للتفاعل بين البشر.
وهذا التفاعل العالمي غير المسبوق في تاريخ الإنسانية، والذى أدت إليه ثورة الاتصالات الكبرى وفي قلبها شبكة الإنترنت، يثير على الفور قضية صراع الحضارات من ناحية وأهمية حوار الثقافات من ناحية أخرى.
ومن المعروف أن سعي الولايات المتحدة الاميركية للعثور على عدو توجه إليه طاقاتها العدوانية بعد سقوط الخصم الأكبر في عصر الحرب الباردة وهو الاتحاد السوفياتي، قد دفع ببعض مفكري المؤسسة الاميركية إلى صياغة نظرية زائفة عن الحروب الثقافية المقبلة. في اطار الصراع بين الحضارة الغربية من ناحية، والحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية من جانب آخر.
وقد تم تفنيد دعاوى هذه النظرية المفتعلة، وظهرت دعوة أكثر إيجابية للحوار بين الثقافات. ومن هنا تبدو أهمية إشارة وثيقة شرم الشيخ الى تشجيع الحوار بين الحضارات مع مراعاة الخصوصية الثقافية للأفكار والثقافات المختلفة.
ولكن ينبغي الالتفات الى أن الدفع بالخصوصية الثقافية تهدف منه بعض الأنظمة السياسية المحافظة إلى الهروب من تطبيق المعايير العالمية في حقوق الإنسان والمؤشرات الأساسية للديموقراطية والحكم الرشيد.
وانتهت الوثيقة بفكرة أساسية مفادها الشروع في مناقشات تهدف لإعداد صك دولي حول تصفية كل أشكال التعصب الديني يتضمن بين أمور أخرى سبل القضاء على الازدراء أو التشهير بالأديان أو التمييز على أساس الدين أو المعتقد.
هكذا تكلمت وثيقة شرم الشيخ، مما يؤكد أن حركة عدم الانحياز في سعيها لتجديد نفسها قد وضعت لنفسها هدفاً استراتيجياً هو تصحيح الانحياز السائد في عالم اليوم، وصياغة نظام دولي جديد يقوم على التوازن في إطار نسق قيمي كوني يركز على العدل والحرية لكل شعوب العالم.
(باحث مصري)
"النهار"




















