تمسّك حكومة بنيامين نتانياهو بالاستيطان فعل استعماريّ، جلف ومتعجرف وصفيق، يظلّله وعي غيبيّ وخرافيّ. هذا واقع لا يرقى إليه شكّ ولا يماري فيه إلاّ ذو غرض أو ذو هوى متعصّب أعمى.
والتمسّك بالاستيطان، فوق هذا، تزداد خطورته بسبب اصطدامه الراهن بترتيبات سلميّة للمنطقة تراود إدارة باراك أوباما، وقد تمنحها مباشرة الانسحاب من العراق قدرة أكبر على التنفيذ. أمّا على نطاق أبعد، فخطورته أنّه يمنع نهائيّاً إقامة دولة فلسطينيّة، وفي هذه الغضون يقضي على ما تبقّى من سلطة فلسطينيّة لمصلحة «حماس» أو الفوضى. كما يستحضر في مواجهته، خصوصاً أن الأمر يطاول مدينة القدس، عنفاً دينيّاً أو غير دينيّ لا ينضب. وهو ما يهدّد سلام المجتمعات المحيطة بفلسطين وإسرائيل، تهديده، على المدى البعيد، إسرائيل نفسها، ليس فقط لجهة متانة العلاقة بينها وبين الولايات المتّحدة، وأيضاً الاتّحاد الأوروبيّ وروسيا، بل كذلك لجهة بقائها إلى أبد الآبدين نوعاً من إسبارطة التي يُشكّ ببقائها طويلاً دولة ديموقراطيّةً.
لهذا ولغيره، ولمصلحة جميع المعنيّين، لا ينبغي وقف الاستيطان فحسب، بل المطلوب أن يدشّن هذا الوقف بداية تفكيك الاستيطان القائم، وما تحوّل منه مدناً ضخمة نسبيّاً، عملاً بخطّة ممرحلة تتّفق عليها الأطراف الفاعلة.
لكنْ كيف لهذا أن يحصل؟ بالعمل العسكريّ؟ هذا وهم، أو أنّه، منذ حرب 1973، بات كذلك. بالسلاح النوويّ الإيرانيّ؟ هذا مزاح ثقيل، وفي الوقت نفسه باهظ الأكلاف على الجميع. بالمقاومة التي انتهت إلى ما انتهت إليه صراعاً بين «فتح» و «حماس» وبين «فتح» و «فتح» وبين «حماس» و «الجهاد»، وبين الضفّة والقطاع؟ هذه خرافة مطنطنة. بالوقوف الجامد عند «خطّة السلام العربيّة» والوعظ بها؟ حسن النيّة هنا لا يعوّض ضعف الهمّة والديناميّة.
يردّد بعض الإسرائيليّين، في معرض تبريرهم الاستيطان، حجّة قابلة أن تكون متعدّدة الأوجه والاستخدامات. يقولون: قبل 1967 لم يكن هناك استيطان، لكنْ كان هناك نزاع. والآن لا يوجد استيطان في غزّة لكنْ توجد حالة حرب أو ما يشبهها. وحين يساجل الفلسطينيّون بعضهم بعضاً فإن واحدهم يزايد على الثاني بالمقاومة، وليس ثمّة من يزايد بالسلام. وهناك بين الإسرائيليّين من يضيف التجربة اللبنانيّة حيث لم تتوقّف المقاومة بعد الانسحاب الإسرائيليّ الأحاديّ في 2000. حتّى اللبنانيّون الذين يخالفون «حزب الله» يقدّمون أنفسهم بوصفهم مقاومة أجدى!
وما يرغب هؤلاء الإسرائيليّون في توكيده هو التقليل من أهميّة الاستيطان ودوره لمصلحة التركيز على النزاع ودوره. فالموضوع، في رأيهم، كامن هنا.
وحجّة كهذه تملك من الطاقة الإقناعيّة ما يغطّي على ضعف الطاقة الإقناعيّة التي يملكها الاستيطان. لهذا تتّجه الإدارة الأميركيّة إلى التفكير في الموضوع من زاوية المعادلة التالية: الاستيطان مقابل النزاع، أو وقف الاستيطان مقابل مباشرة التطبيع.
وهي معادلة لم يعد في وسع العرب، وطبعاً الفلسطينيّين، أن يتجاهلوها: أوّلاً، بسبب توازن القوى، وثانياً، بسبب ما يتبدّى في الظاهر طلباً إسرائيليّاً راديكاليّاً للسلام ولو انطوى هذا الطلب السلميّ على الكثير من الابتزاز العدوانيّ (إمّا السلام الكامل أو… نستوطن)، وثالثاً، لأن وقف الاستيطان، ثم تفكيكه، شرط شارط لقيام دولة فلسطينيّة.
ما العمل إذاً؟
ترك الاستيطان يتنامى أم القبول بطرح الموضوع من جذره وأصله. فما يُخشى اليوم أن تنجح إسرائيل في تسويق فكرةٍ تقدّم الاستيطان، على رغم أهميّته الفائقة، بوصفه الفرع التقنيّ فيما النزاع هو الأصل الجوهريّ.
والحال أنّنا لا نمتلك فلسفة لحلّ النزاع وإنهائه، صريحة وواضحة ومبادرة، تقود الجماهير ولا تُقاد بها. وهي مهمّة تغدو عربيّة أكثر فأكثر ما دام أن الانشقاقات والنزاعات الفلسطينيّة – الفلسطينيّة تهدّد بالمحو الكامل لقدرة الفلسطينيّين وحدهم على القرار.
"الحياة"




















