لم يكن أحمد الحسن المنحدر من مدينة اللاذقية السورية يعلم أنه سيضع يوما ما مجرفته اليدوية التي عانقها صباح مساء أكثر من 20 عاما، ويحمل بدلها علبة لمسح الأحذية في شوارع دمشق.
فهذا الرجل الذي ترتسم على وجهه آثار الشيخوخة، وإن كان لم يتجاوز عمره الأربعين سنة، ظل سنوات طويلة عامل بناء يعشق مجرفته، ويغني لها بلهجته الريفية، وهو ينقل أكوام الرمال والإسمنت من مكان إلى آخر لبناء سقف بيت أو عمارة.
ورغم طبيعة عمله الشاق ذي الدخل القليل فإن الحسن كان يجد فيه راحته، وهو يعمل به ما يربو على 12 ساعة في اليوم، ولكن شاءت الأقدار أن يتعرض لحادثة جعلته لا يستطيع حمل المجرفة مرة أخرى، وأمام طلبات أسرته التي تتكون من 5 أفراد بدأ يبحث عن عمل يلائم وضعه الصحي.
وقصة الحسن تلك تفتح باب رزق للمهمشين الذين اعتبروا مسح الأحذية حرفتهم المناسبة التي لا يتعدى الاستثمار الأولي فيها ال300 ليرة وهذا المبلغ هو لشراء أدوات أساسية لممارسة هذه الحرفة، مثل: صندوق خشبي، ودهانات بألوان مختلفة، وفرشاة ومنديل للتلميع، وكرسي خشبي. إضافة إلى مبلغ 100 ليرة لشراء علب الدهان عند كل أسبوع، أما الفرشاة فلا يتم تغييرها إلا عندما تصبح عاجزة على تلميع حذاء الزبون.
ورغم أن غالبية السوريين يرفضون هذه الحرفة فإنها قد تدر على صاحبها في اليوم ما بين 150 و200 ليرة (حوالي 4 دولارات)، كما أن أماكن العمل تتحكم في معدل الدخل اليومي ولذا نجد أن أغلب ماسحي الأحذية ينتشرون في الشوارع العامة أمام مواقف السيارات أو تحت الجسور وسط دمشق حيث ترتفع كثافة الناس الذين يرغبون بتلميع أحذيتهم.
وإذا كان ماسحو الأحذية قد شغلوا مناصب رفيعة في العالم كالسياسي الكولومبي المخضرم لويس إدوارد الذي أمضى 20 عامًا جالسا على كرسيه يقوم بتنظيف الأحذية، لينهض أخيرا ويمثل زبائنه في الانتخابات البلدية لمدينة «بوجوتا» التي أجريت عام 2001، ويدافع عن حقوق ماسحي الأحذية والباعة المتجولين والفقراء المحرومين من خدمات الصحة والتعليم.
غير أنهم في سوريا لا يزالوا يراوحون في مكانهم، وكل همهم أن يجنوا حفنة من النقود يسدوا بها رمق عائلاتهم التي تحوي في الغالب عددا كبيرا من الأفواه الجائعة.
ولا يلقى ماسحو الأحذية في سوريا اهتماما من الجهات الحكومية، مع غياب شبه كامل لوسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وعدم وجود إحصاء دقيق لمزاولي هذه «المهنة» في ظل غياب قانون ينظمها، رغم أن البعض يطالب بوجود جمعيات أهلية تهتم بشؤون ماسحي الأحذية وتنظم أماكن وجودهم، لاسيما أن العاملين في هذه المهنة يشكلون قنابل موقوتة للانحراف والتطرف.
وإن كانت الحكومة السورية بدأت مؤخرا الاهتمام بتنمية مناطق السكن العشوائي التي تشكل البيئة الخصبة لمزاولي هذه المهنة، غير أن هذه الخطوة تبقى غير كافية في بلد تتراوح نسبة البطالة فيه بين 15 و20 بالمئة ويبلغ عدد الوافدين إلى سوق العمل فيه أكثر من 250 ألفاً سنويا بحسب المكتب المركزي السوري للإحصاء.
دمشق ـ حسن سلمان
"البيان"




















