كتب الصديق ريمون جرجي مقالة نُشرت في "كلنا شركاء" بتاريخ 16/7/2009 بعنوان "المهمة التي نجح مشروع قانون الأحوال الشخصية في أدائها" أيّد فيها ما سبق أن قالته الصحفية سعاد جروس في مقالها المنشور في مجلة الكفاح العربي بعنوان " أحوالنا الشخصية المتعثرة" ولاسيما الربط بين صدور مشروع قانون الأحوال الشخصية، وبين القانون31 الخاص بالطوائف الكاثوليكية الصادر عام 2006 ولم يكتف الأستاذ ريمون بذلك بل جزم " أن مشروع قانون الأحوال الشخصية نجح في إنجاز مهمته التي خُلق لأجلها ألا وهي التمهيد لإصدار قانون أحوال شخصية جديد يُدرس بعناية في مطبخ هادئ يكون بلا تشدد أو تزمت لأي فريق من أطياف المجتمع السوري بعد استشارة جميع الطوائف والأطياف والرئاسات الروحية ومنظمات المجتمع المدني، حتى يوحد عند إصداره بين السوريين ويساوي بينهم وفقاً لمواد الدستور والمواثيق الدولية بدون أن يتدخل في الشؤون الخاصة بكل طائفة".
لا أعتقد أن رئاسة الحكومة كانت تمهد بهذا المشروع لإصدار قانون أحوال شخصية أخر جديد يُدرس بعناية في مطبخ هادئ بلا تشدد أو تزمت، بل كانت تقصد هذا المشروع المتكامل البنيان والمبوب لإصداره كقانون جديد ، ولكن الرياح جرت في اللحظة الأخيرة خلافاً لرغبة اللجنة السرية والجهة التي شكلتها .! وإذا كانت الحكومة تُمهد لإصدار قانون جديد "بلا تشدد أو تزمت"، فلماذا تضمن هذا المشروع ما تضمنه من أحكام تعيد السوريين إلى ما قبل عصر الجاهلية، ولماذا دافعت رئاسة الحكومة مرتين عن هكذا مشروع متخلف؟ ثم لماذا اضطرت بعد ذلك إلى إصدار بيان صحفي قررت فيه إرساله إلى وزارة العدل مجدداً لإعادة صياغته من جديد؟ وهل يعتقد الأستاذ ريمون أن هكذا مشروع بما تضمن من أحكام تسيء إلى السوريين جميعاً وتفرق بينهم وتفضل فئة على فئة يمكن أن يشكل برأيه"مهبطاً"أو أرضية صالحة لقانون جديد ؟ فإذا كانت الأرضية "المهبط " سيئاً، فسيأتي القانون الجديد المستند إلى ذلك المهبط سيئاً أيضاً.
ومنذ متى كانت الحكومة تعمل بمبدأ رد الفعل؟ فلا أعتقد إن الحكومة أو أية حكومة تعمل على مبدأ رد الفعل على فعل معين، ولهذا ليس صحيحاً القول أن مشروع القانون جاء كرد فعل على القانون 31لعام 2006 فلو كان ذلك صحيحاً لكان باستطاعة الحكومة أن تطلب من مجلس الشعب تعديل القانون المذكور بما يتلافى الملاحظات التي وردت عليه. وإن تسليط الضوء على القانون 31/ واعتباره الدافع وراء مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ما هو إلا محاولة لذر الرماد في العيون، والتغطية على ما ورد في ذلك المشروع في محاولة لتسويقه وكأن خلاص السوريين سيأتي من خلال ذلك المشروع.
وليس صحيحاً أن الحكومة:" هي من دفع بكل هذا الحراك الطبيعي الديمقراطي العلماني والمتدين.. وأنها كانت سعيدة ضمناً لأنها سعت وراءه فالمشروع كان المهبط لطائرة القانون الجديد".؟ وكنت سأصدق أن الحكومة هي من دفع بكل هذا الحراك الطبيعي الديمقراطي العلماني، لو أنها فعلاً أفسحت المجال لأصحاب الفكر الديمقراطي العلماني بالعمل والنشاط، قدر إفساحها المجال لأصحاب الفكر المتدين الذين احتلوا الساحة السورية على امتداد الوطن على حساب انحسار الفكر المدني نتيجة التضييق المستمر عليه.
فرئاسة الحكومة وليست الحكومة هي التي سعت بالتأكيد خلف هذا المشروع، ولكنا لم تسع بالتأكيد إلى هذا الحراك الطبيعي الديمقراطي العلماني، وهي لم تكن سعيدة لهذا الحراك، بدليل أن رئاسة مجلس الوزراء استغربت وهاجمت كل الانتقادات التي طالت" مشروعها " واعتبرتها "منافية للديمقراطية ولاحترام الرأي الأخر". فهل سنتان من العمل السرّي على مشروع القانون كان عملاً ديمقراطياً؟ وهل تشكيل لجنة من لون واحد ومن جنس واحد ومن فكر واحد عملاً ديمقراطياً ويحترم الرأي الأخر؟ ولماذا لم تضم تلك اللجنة في عضويتها أية امرأة أو أي علماني وغيرهم …؟وهل احترمت اللجنة السرًّية التي أعدت هذا المشروع آراء السوريين بمختلف فئاتهم وأطيافهم السياسية والدينية.؟ ومتى كانت الديمقراطية والعمل السرّي يتفقان؟ فمشروع القانون ليس خطة عسكرية أو أمنية حتى يتم إعداده بسرية تامة بعيداً عن الأنظار، وإذا كان مفهوماً ومقبولاً أن مصلحة البلاد تقتضي أن تبقى خططها وبرامجها العسكرية والأمنية طي الكتمان، فإن مصلحة البلاد لا تتحق بإعداد مشاريع قوانين في الخفاء، بل على العكس من ذلك فمصلحة الشعب والوطن تقتضي أن يؤخذ رأي المواطن في صياغة أي قانون قبل إقراره، فكيف إذا كان مشروع القانون يتدخل في صميم حياته وحياة أسرته؟ وهذا يقتضي حتماً أن يتم إعداد هكذا قوانين ومناقشتها بشكل علني لا سرّي..
ثم يترحم الأستاذ ريمون على مشروع القانون مع أن رئاسة الوزراء لم تعلن عن وفاته، بل أحالته بعدته وعتاده إلى وزارة العدل أي أنه مازال هو الأساس لأي مشروع قادم، وهذا ما أكده البيان الصادر عن المكتب الصحفي في مجلس الوزراء، كم أكدته مصادر مختلفة ومنها مرصد نساء سورية : " أن رئاسة مجلس الوزراء ترفض حتى اليوم أن تعلن حل اللجنة السرية، وترفض أن تعلن أسماء أعضائها الذين عملوا جاهدين على تضمين المشروع كل ما يمكن أن ينقض إنسانية الإنسان، والانتماء إلى المواطنة بأي شكل كان.والحقيقة أن وزارة العدل تشارك فعليا وبكل طاقتها في هذا الزخم الأسود. إلى حد أن وزير العدل نفسه يرفض أصلا أية فكرة عن إلغاء المشروع، ويعتبره "مثلا أعلى" للأحوال الشخصية في سورية! ويعتبر أي كلام آخر مجرد ثرثرة لا مكان لها! فله، ولرئيس مجلس الوزراء الكلمة الفصل والأخيرة. أما "الباقين" فلينطحوا رؤوسهم في صخر الحكومة"!
وأخيراً يسأل الأستاذ ريمون:"كيف السبيل لإصدار قانون موحد يحفظ للجميع ماء الوجه ولا ينقض القوانين السابقة بل يعمل على تحديثها وضمها بصيغة واحدة للجميع؟"
الجواب على ذلك ليس مستحيلاً، فعندما تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، وتترك الحرية لجميع أطياف المجتمع وألوانه أن تعبّر عن نفسها بشكل سلمي، وعندما تعمل على توفير البيئة القانونية السليمة والسلمية بعيداً عن العنف وبما يفسح المجال لمشاركة ممثلي الفكر المدني من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات النسائية الحكومية وغير الحكومية وكافة القوى والأحزاب السياسية التي تؤمن بالفكر المدني والديمقراطي واحترام الآخر والعمل المؤسساتي في بناء الوطن. وعندما تُصاغ مشاريع القوانين في النور لا الظلمة، سوف نستطيع بالتأكيد صناعة تشريعات حديثة تستلهم التطورات والمتغيرات الحديثة، تساعدنا في عملية التنمية والنهوض بالبلاد وقيادتها نحو الأمام، وبما يلبي متطلبات السوريين ويحفظ كرامتهم في إطار وحدة الوطن السوري وسيادته واستقلاله.




















