الحياة
< طوال عقود سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى تثبيت صورة خاصة عن الحكم والسياسة. كانت هذه الصورة مصنوعة خصيصاً للعالم الخارجي. صورة تبدو فيها الجمهورية الإسلامية فريدة لا تشبه أحداً إلا نفسها. وهي الصورة التي جسدها شعار «لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية». أراد الممسكون بزمام الأمور الظهور بمظهر الأتقياء، الأخيار، الذين نزلوا من سماء الفضيلة إلى أرض السياسة ليرفعوا هذه إلى سوية تلك. أرادوا أن تكون جمهوريتهم تظهر في صورة روبن هود عالمي: رحيم وحنون ومعاضد للمستضعفين أنى كانوا.
لقد قاموا بالثورة على الشاه لأن الشاه كان طاغية ومستبداً وقامعاً للناس وحاجزاً للحريات وعدواً للأفكار المغايرة والآراء الناقدة. وكان لدى الشاه أجهزة قمع فتاكة من البوليس والسافاك والوحدات الخاصة. وكان الشاه متكبراً مغروراً لايهمه أمر الناس العاديين هو الذي أحاطت به حلقة من المتنفذين، المستكبرين، المستفيدين من واقع الحال. وكان الشاه يرتبط «بقوى الاستكبار العالمي».
أراد نظام الجمهورية الإسلامية أن يكون نقيض نظام الشاه فلا يكون فيه طغيان وتجبّر ولا تحجز الحريات ولا تقمع الأراء المغايرة ولا تكون هناك أجهزة قمع فتاكة ولا يكون الحكم بيد جماعة من المتنفذين المستكبرين. أراد النظام أن يظهر أنه لا يشبه نظام الشاه كما أنه لا يشبه أنظمة الحكم الأخرى في العالم أكانت غربية أم شرقية، ديموقراطية، ليبرالية أم شمولية دكتاتورية. طوال عقود كانت الجهود تُبذل من أجل تثبيت هذه الصورة الفريدة، النقية التي لا تشوبها شائبة.
في الانتخابات الرئاسية التي جرت في إيران قبل نحو شهر انهار كل شيء دفعة واحدة. بعد ثلاثة عقود وخلال أيام معدودة تمزق الرداء وانكشف ما كان يراد له أن يبقى مستوراً. رأى العالم التزوير والمظاهرات والقمع وقتل المتظاهرين وضربهم وسحلهم وسجنهم. حدث الانشقاق وارتفعت شعارات الموت للديكتاتور واكتشف العالم أن الصورة التي كان النظام رسمها لنفسه لم تكن صحيحة. رأى العالم أن النظام لا يختلف في شيء عن أي نظام حكم متسلط. وقال كثيرون إن ليس ثمة فرق بين استبداد الشاه واستبداد خليفته. وتبين أن ليس هناك اختلاف بين أجهزة القمع عند الشاه وأجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية. بل إن عدد الأدوات في عهد هذه الأخيرة من الأجهزة تفوق على ما كان عند الشاه: الباسيج والباسداران وراكبو الدراجات النارية.
أما المستضعفون الذين بقي النظام يلهج بذكرهم فقد أدرك العالم أن المستضعفين الفعليين يقيمون في الداخل الإيراني. ومستضعفو الداخل كثر: أبناء القوميات غير الفارسية من الكرد والعرب والبلوش والتركمان. وهؤلاء يتفوّق حرمانهم من حقوقهم القومية والثقافية والسياسية على حرمان غيرهم من تلك الحقوق في أماكن أخرى من العالم. أبناء المذاهب الدينية من السنة والبهائية وحرمان هؤلاء لا يقاس بأي حرمان فأبناء الطائفة البهائية يمارسون طقوسهم بسرية فإذا ما أمسكت السلطات بهم متلبسين اعتقلتهم وحاكمتهم وسجنتهم أو حتى أعدمتهم. وأبناء السنة يعاملون كأشخاص من الدرجة الثانية في سلم القيمة والاعتبار لدى أهل الحكم. أما النساء فيلاحقهن بوليس الآداب لمراقبة نوع ملابسهن وطريقة مشيهن وما إذا كن يستعملن الماكياج أم لا، والشباب وطلاب الجامعات يراقب جهاز المخابرات، تحركاتهم ويدون أقوالهم ويشي بمن تحيط بأفكارهم الشكوك.
وراح الناس يتساءلون: بم يختلف السلوك الجمهوري الإسلامي في معاملة الحريات الفردية ومقاربة الآرء المعارضة ومعاملة وسائل الإعلام غير المرتبطة بالحكومة فضلاً عن الإعلام الخارجي، عن سلوك الأنظمة الشمولية الشيوعية، كما في الصين وكوريا الشمالية، أو الدكتاتوريات العسكرية، كما في ميانمار؟ وما هو وجه الخلاف بين السافاك الشاهنشاهي والاطلاعات الجمهوري الإسلامي؟ وأي فرق بين الفساد والفقر والرشوة والإدمان على المخدرات بين الحالين؟
أدرك العالم أن النظام الشمولي الديني لا يختلف عن النظام الشمولي الشيوعي أو العسكريتاري: قمع المظاهرات وتقييد الإعلام وخنق الأصوات المخالفة للنظام وملاحقة المعارضين (وقتلهم، كما حصل مع عبدالرحمن قاسملو زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني) وفبركة الأخبار(وجود غرفة عمليات مرتبطة بالمخابرات البريطانية لإدارة المظاهرات في إيران) والكذب (الحديث عن مؤامرات خارجية ودور الإعلام الخارجي). والنفاق (التباكي على مقتل المصرية مروة الشربيني) والكيل بمكيالين (دعم معارضة حزب الله للحكومة اللبنانية وقمع المعارضة الإيرانية) والخرافة (قال الرئيس أحمدي نجاد إن الغرب تدخّل في أزمة الانتخابات الرئاسية في إيران لصرف الأنظار أيضاً عن أنفلونزا الخنازير. وهو كان قال إنه حين ألقى كلمته في الأمم المتحدة أحاطت به هالة نورانية).
كان العالم شهد سطوة النظام وقسوته منذ اللحظة الأولى من قيامه. آنذاك تشكلت فرق إعدام وجرى قتل المعارضين بالجملة رمياً بالرصاص في الساحات العامة من دون محاكمات. وقيل يومها إن النظام في بداية عهده وإنه يريد توطيد أركانه فإذا توفر له ذلك سيتوقف عن عنفه. وحين استمر القمع والتنكيل فُرض الكتمان وأُنزل ستار من السرية. وإذ تحدثت المنظمات الإنسانية في الخارج عن الممارسات الفظيعة قيل إن الأمر محض هراء. كل كلام من الخارج كان يسوّق على أنه مؤامرة. لم يكن كلام الخارج يخيف لأن النظام كان يتقن اللعب على لحن العدو الخارجي. كان خوف النظام الوحيد يأتي من كلام الداخل. كلام الداخل أكثر قوة في إقناع الناس. لهذا تخشى الديكتاتوريات من المنشقين. بقي ستالين يخاف من معارضيه في الداخل فقتلهم جميعاً ثم لحق بتروتسكي حتى المكسيك وأرسل إليه من شق رأسه ببلطة. بقي الاتحاد السوفياتي يخاف من المنشقين إلى لحظة انهياره. هكذا كان حال بلدان المنظومة الاشتراكية. كانت أسماء ميلان كونديرا وليش فاليسا وفاكلاف هافل وجوزيف برودسكي وسواهم مبعث قلق مستديم للسلطات الشيوعية في تلك البلدان. لهذا كان حنق أركان الحكم في الجمهورية الإسلامية كبيراً. فاهتزاز الصورة الراسخة جرى من الداخل. مير حسين موسوي هز صورة الحاكم الذي حاول أن يخلق هالة مقدسة حوله ويرسم لنفسه هيئة الشخص البسيط المتواضع. قال له موسوي وجهاً لوجه: أنت كذاب. ثم تحدى سلطة المرشد. وكان أن انفلت القمع من عقاله، ذلك القمع الذي بقي سارياً في الخفاء لثلاثة عقود متتالية. لم يختلف «القمع الإلهي» للسلطة الدينية في الجمهورية الإسلامية عن القمع البشري الذي تمارسه السلطة الدنيوية أكانت شيوعية أو عسكريتارية الصورة التي أرادوها نقية بهية تلطخت بالدماء.
* كاتب كردي.




















