بيروت: مايا مشلب
بعد الهدوء الذي عم عملية تأليف الحكومة مع دخول لبنان الأسبوع الخامس من مرحلة «التصريف» عاد البحث فيها على نار حامية، إذ سادت أمس أجواء إيجابية بعد تجاوز «عقدة الثلث المعطل» التي كانت قوى المعارضة شديدة التمسك بها، وذلك بعدما بات من شبه المؤكد الاتفاق على صيغة 15 ـ 10 ـ 5، أي 15 وزيرا للأكثرية و10 للمعارضة و5 لرئيس الجمهورية، على أن تتضمن «حصة» الرئيس وزيرا سنيا مقربا من الأكثرية يرجح أن يكون عضو لجنة الوزير فؤاد بطرس التي عملت على وضع مسودة لقانون انتخابي جديد، غالب محمصاني، وآخر شيعيا مقربا من المعارضة والرئيس على السواء، هو الأستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية عدنان السيد حسين، على أن يحتفظ وزير الدفاع إلياس المر، وزياد بارود بمقعديهما، ليبقى المقعد الخامس قيد التشاور مع بروز معلومات عن طرح اسم رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي رجل الأعمال روجيه نسناس.
لكن هذه الأسماء نفتها مصادر مجلس النواب، لا سيما بعدما نقل النواب الذين شاركوا في «لقاء الأربعاء» في البرلمان، عن رئيس مجلس النواب نبيه بري «أن الإطار العام للحكومة أصبح منتهيا»، وأن «البحث في الأسماء والحقائب قد بدأ»، مؤكدين أن ما ورد في وسائل الإعلام حول الأسماء «غير دقيق». ونقلوا عن بري أن «هناك تفاهما كبيرا على إطار البيان الوزاري»، متوقعا «أن تكون الأمور سهلة في عملية بحث الأسماء والحقائب». والأجواء الإيجابية عكسها بري نفسه، عقب زيارته الأسبوعية للقصر الجمهوري حيث أعلن أن «العملية السياسية لتأليف الحكومة أصبحت محل اتفاق، وذلك ضمن الوقت المعقول ويمكن الجزم الآن بأنها انتهت. يبقى الأمر التقني أي الحقائب والأسماء وإنزال الأسماء على الحقائب أو العكس بالعكس»، مشيرا إلى «أن الأمر يمكن أن يحتاج إلى يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر».
وقال: «لا أريد تقييد نفسي بهذا الأمر، لكن يهمني أن أعطي كل الاطمئنان الآن، وليس موضوع تفاؤل فقط. الاطمئنان إلى أن الناحية الأساسية لتأليف الحكومة التي تعطي اطمئنانا لهذا الوطن ضمن محيطيه العربي والإقليمي قد تمت».
وأوضح أن «المقصود بالإطار السياسي للحكومة، أنها حكومة وحدة وطنية وتتوزع فيها خريطة القوى السياسية والضمانة التي يشكلها دور رئاسة الجمهورية في الحكومة. كذلك، المقصود التوجه العام للبرامج والخطط التي ستسير عليها وتواكبها الحكومة العتيدة، ومن ثم خريطتها العربية والإقليمية. كل هذه الأمور، بالإضافة إلى مواقفها من المواضيع الوطنية والمقاومة وغيرها أصبحت ضمن العملية السياسية. وهذا ما نستطيع أن نعتبر أنه أصبح متفقا عليه». وبعد زيارة بري التي تمت قبل الظهر، توجه بعد الظهر الرئيس المكلف سعد الحريري إلى القصر الجمهوري. وقالت مصادر مواكبة للزيارة لـ«الشرق الأوسط»، إن الأجواء الإيجابية لا تعني أن كل العقد قد حُلت، وأن ما ذلل من عقبات لا يتجاوز الصيغة فيما البحث سوف ينصب في الأيام المقبلة على الأسماء والحقائب.
وفي إطار الأجواء السياسية المرتسمة أمس، قال نائب رئيس الوزراء القطري وزير الطاقة عبد الله العطية عقب لقائه رئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل إن «الجميع متفائلون. وكما سمعنا قد تتشكل الحكومة قبل عيد الجيش (في 1 أغسطس/ آب)». وقال: «جئنا لنستمع أكثر مما نتكلم ويسعدنا أن تؤلف الحكومة في أسرع وقت ممكن». وعن توليه أي وساطات في هذا الشأن، قال: «لا أعتقد أن هناك وساطة بين اللبنانيين الآن. فقد تجاوزوا مهمة الوساطة، والآن الجميع متفائلون بتأليف الحكومة، وعندما يكون هناك تفاهم لا نحتاج إلى أي وساطة».
من جهته، أبدى نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ارتياحه لـ«الخطوة الأولى التي أنجزت على طريق تأليف حكومة الوحدة الوطنية بالصيغة المطروحة التي تتضمن المشاركة الفاعلة في إطار ما تم الاتفاق عليه»، آملا في «أن تنجز خطوات التوزير وتوزيع الحقائب في أسرع وقت ممكن».
وفي اتصال أجرته «الشرق الأوسط» بعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب نواف الموسوي، للاطلاع على طريقة تجاوز «العقدة»، قال: «متفقون في حزب الله على الامتناع حاليا عن الخوض في التفاصيل»، مكتفيا بالقول، «حصل تقدم ملموس والمناخات إيجابية ونأمل في أن تستمر». وفي اختيار الأسماء، قال: «إن شاء الله لا يوجد تعطيل سياسي في هذا الإطار، إنما الموضوع سيستغرق وقتا طبيعيا للتفاهم والتشاور»، معتبرا أن الوقت الذي مر منذ التكليف الرسمي «طبيعي فما أنجز في هذه الفترة ليس سهلا، وما حصل إلى الآن في غاية الأهمية وقد تم بفضل جهود الجميع في المعارضة ورئاسة الجمهورية والفريق الآخر (الأكثرية)». وعن طريقة تقاسم المعارضة الوزراء خصوصا أن رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون كان يطالب بستة وزراء، قال: «المعارضة متفاهمة على كل الشؤون المتعلقة بالمشاركة في الحكومة. وقريبا تسمعون النتائج التي تريح اللبنانيين». من ناحيته، نفى عون، في دردشة مع الصحافيين، كل ما ورد في وسائل الإعلام اللبنانية المحلية من أسماء وحقائب قائلا: «إن ما نشر اليوم (أمس) من معلومات في الصحف عار من الصحة ولم يبحث لغاية الآن في أي اسم وحقيبة ولم يسألنا أي مسؤول رأينا».
وسأل: «لماذا عادت فجأة صيغة الـ15 ـ 5 ـ 10 إلى الواجهة بعد سبات عميق؟ كل ما قيل في الصحف يرمي إلى إثارة بلبلة في الرأي العام». ورأى أن «وراء هذه المعلومات مناورة ما»، مشيرا إلى أن «هناك مسؤولية على ناشري أخبار كهذه، ألا وهي أن هناك من يريد أن يفشل الصيغة الحكومية التي وضعت بعد استشارات الرئيس المكلف مع النواب أو لا يريد تأليف الحكومة».
وفي اتصال أجرته «الشرق الأوسط» مع عضو تكتل التغيير والإصلاح النائب سيمون أبي رميا، قال: «قوى المعارضة ستجتمع مساء (أمس) للبحث في التفاصيل (توزيع الوزراء). نحن كنا طالبنا بالنسبية في التمثيل، إنما لا نريد العرقلة وسنكون متجاوبين مع الطرح الذي توافق عليه المعارضة. وعلى كل منا أن يقدم شيئا (من حصته)». وعن طريقة تجاوز المعارضة «الثلث الضامن»، قال: «بغض النظر عن اختلاف الأرقام (حصص المعارضة والأكثرية والرئيس)، فإن هذه الصيغة في تأليف الحكومة تعيد تأكيد روح تسوية الدوحة القائمة على مبدأ الشراكة. فمن خلال هذه الصيغة، لا يتمكن أحد من احتكار القرار في مجلس الوزراء وتمرير ما يريد منفردا. ثم إننا لا نؤمن بعقدة الثلث لأننا نعتقد أن الأكثريات في مجلس النواب والحكومة ستتشكل بناء على المواضيع التي ستطرح». وعن الضمانة التي جعلت المعارضة تقتنع بهذه الصيغة، قال: «إنه الاسم المطروح للمقعد الشيعي في حصة الرئيس (عدنان السيد حسين). فشركاؤنا مرتاحون للوزير الحادي عشر». وعن جدية هذا الطرح، قال: «عدنان السيد حسين مطروح جديا، أما عن المقعد السني في حصة الرئيس فهناك اسمان متداولان، غالب محمصاني وعدنان القصار إنما الأخير حظوظه أوفر».
أما بالنسبة إلى طريقة تصويت وزيري هذين المقعدين قال: «هذا موضوع النقاش الحالي، إذ يقع على الرئيس المكلف إيجاد الصيغة التي تطمئن الجميع. وهنا لا بد أن ألفت إلى أهمية البيان الوزاري». وقال عضو التكتل نفسه النائب حكمت ديب إن «المشاورات أسفرت عن توافق على صيغة ترضي جميع القوى على صعيد الأرقام وليس على صعيد الحقائب، ما يعني أن الأمور بدأت تسلك المرحلة الثانية المتعلقة بالأسماء وبتوزيع الحقائب».
وبشأن ما قيل عن إعطاء «التيار الوطني الحر» ثلاثة وزراء، قال: «نواب التيار الوطني الحر 13 نائبا، في حين أن التكتل يضم 27 نائبا، فإذا حصلنا على ثلاثة وزراء لا يعني أن هذه الحصة هي حصة التكتل، فهناك الوزير طلال أرسلان والنائب سليمان فرنجية وحزب الطاشناق، كما أننا نتطلع إلى ضم الوزير (في حكومة تصريف الأعمال) الياس سكاف إلى الحكومة الجديدة. حتى هذه اللحظة لم يحسم موضوع الأسماء، لكن الوزير سكاف زعيم سياسي وله مكانته الخاصة عندنا، إضافة إلى حجمه التمثيلي».وعن اعتراض الأكثرية على «توزير الراسبين»، قال: «الناس تعرف حجم كل شخص ولا يجوز تغييب أحد بمجرد أنه لم يحالفه الحظ في الانتخابات. وكلنا نعرف علامات الاستفهام المطروحة بشأن انتخابات زحلة».وردا على سؤال، قال: «الطاشناق سيمثل في الحكومة، وليكفوا عن ترويج الشائعات والأخبار الكاذبة».
وقال رئيس تيار التوحيد اللبناني الوزير السابق وئام وهاب، عقب لقائه رئيس تيار «المردة» النائب سليمان فرنجية: «يبدو أن الشروط التي وضعتها المعارضة للمشاركة في الحكومة بدأ يتجاوب معها الرئيس المكلف (سعد الحريري). ويبدو أيضا أن الساعات الماضية أنتجت شيئا ما ربما على صعيد الاتصالات الخارجية التي انعكست على الوضع الداخلي وموقف الرئيس المكلف الذي كان يرفض كل صيغ الثلث الضامن. لكن يبدو أن هناك صيغة معينة للثلث الضامن تبحث اليوم بشكل جاد، وقد توصل إلى مخرج يؤدي إلى تأليف الحكومة». في المقابل، وفيما انتقد وزير السياحة في حكومة تصريف الأعمال الكتائبي ايلي ماروني طريقة تأليف الحكومة ووجود معارضة داخل الحكومة، قال: «من المنطقي أن تشكل الحكومة، لكنني انتقدت طريقة تأليفها. هناك المتفائل وكأن الحكومة أصبحت واقعا، وهناك المتشائم ويقول ليس هناك حكومة إلا بعد عيد الفطر. أنا شخصيا أتمنى أن تؤلف الحكومة وأن تكون حكومة وفقا للمبادئ التي خضنا الانتخابات من أجلها، حكومة من أجل لبنان فيها وزراء لبنانيون غير محكومة بتوافق إقليمي ولا بمساومات داخلية، عندها سنكون جميعا يدا واحدة بجانب هذه الحكومة لدعم مسيرتها».
ورأى عضو قوى 14 آذار النائب بطرس حرب، أن «ما يجري في شأن تأليف الحكومة، تركيب فريق عمل غير متجانس»، مشيرا إلى أنه «ليس هناك صراع بين المسيحيين المستقلين في قوى 14 آذار والأحزاب المسيحية في هذه القوى»، مؤكدا أن «من الحق أن يتمثل الجميع».
وقال: «أنا لا أتدخل مباشرة في تأليف الحكومة. وهذا قرار اتخذته، ولا أتعامل أيضا مع طلب توزيري من مبدأ شخصي»، لافتا إلى أنه «من مبدأ احترام رأي الناس الذين مارسوا حقهم الانتخابي ألا يتم توزير الراسبين في الانتخابات»، معربا عن اعتقاده أن «لدى التيار الوطني الحر كفاءات غير الوزير جبران باسيل لتوزيرها». من جهته، قال عضو كتلة الكتائب اللبنانية النائب سامر سعادة «منذ اليوم الأول طالبنا بوزيرين لكننا لسنا ولن نكون في أي يوم سببا لتعطيل التشكيلة الحكومية بأكملها ونجر البلاد إلى التعطيل في سبيل عدد معين من الوزراء، فما يهمنا في الحكومة هو بيانها الوزاري خاصة الطريقة التي على أساسها ستعمل الحكومة». وفي بيان أصدرته الأمانة العامة لقوى 14 آذار عقب اجتماعها الدوري أملت في أن «تصدر مراسيم تأليف الحكومة الجديدة في وقت قريب، وبصورة تعكس الإرادة الشعبية التي عبرت عن نفسها في الانتخابات النيابية الأخيرة، من دون اشتراطات غير دستورية على الدولة أو الالتفاف على قواعد اللعبة الديمقراطية، خصوصا بعد التمكن من تجاوز بعض الضغوط التي مورست على الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية وتحديدا الإقلاع عن الثلث المعطل ومشتقاته».
"الشرق الأوسط"




















