في صيف العام 1938، ومن إقامته بمدينة الإسكندرية، وقبل وفاته ببضعة أشهر، نشر اللبنانيّ فليكس فارس ترجمته لكتاب فريدريك نيتشه الأكثر شيوعاً، «هكذا تكلّم زرادشت». وهو الكتاب الوحيد للفيلسوف الألماني الذي مارس تأثيراً قوياً، على أعلام العقود الأخيرة مما يُعرف أدبياً وثقافياً بعصر النهضة العربية، لكن بشكل أساسي على الأدب المهجري المكتوب بالإنكليزية، كحالة كتاب «خالد» وقصة «جهان» لأمين الريحاني، وكتاب «النبي» لجبران خليل جبران.
إلا أنّ الأديب اللبناني مارون عبود (ت 1962) ينبهنا الى أن عدوى نيتشه انتقلت الى فارس من مصدر آخر، هو فرح أنطون. اذ يروي عبود الحادثة التالية في «مجدّدون ومجترّون»:
حيث أن فليكس جاءه يوماً الى غرفته المعلقة «جنوبي ما يسمونه اليوم تباريس، وكانت على صغرها مجمع الخلان — أدباء ذلك الزمان» فرأى مارون وقد علّق صورة لنيتشه «وقد كتبت تحتها: فليفن الضعفاء والمخذولون! أيتها الأم كلي ابنك. فأعجب بهذه الفلتة.»
يتابع عبود : «كنا كلانا نُكبر فرح أنطون الذي عرف الأدب العربي بهذا الفيلسوف الغربي، وكنا نقرأ معاً ما يترجمه فرح من زاراتوتسترا، مسلّمين ومميّزين ومفكّرين»، لا بل يصف حالة هذه الجوقة النيتشوية التباريسية بأنها «فراريج تحتكّ بديك الدهر»!
إلا أنه في مؤلّف آخر، بعنوان «جدد وقدماء» يعيب مارون عبود على فليكس فارس انكاره لريادية فرح أنطون في هذا الباب. ويفصح أنه توقع أن يترحم فليكس على فرح وينوّه به إبان ترجمته لكتاب نيتشه، «فإذ به يقول: لم يفكّر أحدٌ بترجمة هذا الكتاب العظيم». يأسف أديب عين كفاع المميز لهذه المكابرة من طرف صديقه فليكس، اذ كانا يطلعان سوية على «ما ترجَمَه فرح من زاراتوسترا، وما كتبه من الفصول عن نيتشه وفلسفته.
يهتم مارون عبود في هذا الصدد بإبراز أن فرح أنطون، الطرابلسي المولد والنشأة والمنتقل الى القاهرة أواخر القرن التاسع عشر، كان «أول كاتب عرَّف العربَ بالفيلسوف الألماني نيتشه والمعلم كارل ماركس».
في المقابل، يبرز فليكس فارس في المقدمة التي وضعها لـ«هكذا تكلم زرادشت» المناقضة الأساسية على أنها بين ماركس ونيتشه.
فنيتشه، بقلم فارس، هو «المفكر الجبار الذي يفتح أمام الفرد آفاقاً وسيعة في مجال القوة والثقة بالنفس وتحرير الحياة من المسكنة والذل، تائقاً الى ايجاد إنسان يتفوق على إنسانيته بالمجاهدة والتغلب على العناصر والعادات والتقاليد وما توارثته الأجيال من العقائد الموهنة للعزم.»
أما ماركس فهو رمز لشقاء العالم المتمدّن. وما كان يبشّر به فارس من خلال ترجمته لكتاب نيتشه هو تحديداً الدعوة لعدم اختزال النهضة الى محاكاة هذا العالم المتمدّن والبحث لها عن دافع وجودي، وجده عند نيتشه.
فرح أنطون، الطرابلسي المولد والنشأة والمنتقل الى القاهرة أواخر القرن التاسع عشر، كان «أول كاتب عرَّف العربَ بالفيلسوف الألماني نيتشه والمعلم كارل ماركس»
بل يسأل فارس – بكثير من القسوة: «أي دواء يشفي الطفل الذي زرعه توحش الرجل المفترس في أحشاء المرأة المنكسرة الذليلة؟» يجيب: «لندع العالم المتمدن يفتش في علومه ونهضة مفكريه على هذا الحب الذي تخيّله ماركس متجليّاً في الحرية التامة للناس في أهوائهم فجاءت البلشفية تثبت انخداع هذا الفيلسوف في نظرياته، ليفتشوا أنهم لن يتصلوا في تجاربهم إلا الى العبر الزاجرة المؤلمة.»
من العبث اختزال عناية فارس بنيتشه بموقفه السلبي من البلشفية. لكنه عنصر لا يمكن اسقاطه من الحسبان، لا سيما وأنه في المنطق الذي يتبناه فارس البلشفية هي نتيجة لأفول شيء ما في حضارة الغرب.
لا يمكن استبعاد هذا العنصر. خاصة أواخر الثلاثينيات، في زمن كان فيه الموقف من البلشفية يلعب دوراً غير هامشي في تحديد المواقع الثقافية والفكرية وليس فقط السياسية.
اللافت أكثر، أن فارس يستخدم ماركس على أنه دليل على خيبة الغرب وأفوله. هذا مع أن «التطبيق البلشفي» وجد له مكانا في الشرق الروسي وليس في أوروبا الغربية.
أما نيتشه فهو عند فارس بمثابة شهاب من الغرب له أن يحتضنه الشرق. هذا من بعد «تخليص المعاملات» في المسألة الدينية. ففارس يدرك أنّ إلحادية نيتشه تشكّل ورطة عليه تذليلها. يتبرأ منها، ثم يعود فيصوّب بأن «الدين الذي يهاجمه نيتشه انما هو صورة لأصل شوهها الغرب»، ومن ثم يحاول فارس بنفسه تجسير الهوة بين شرق «الرسالات السماوية» وبين نيتشه المتمرد على الغرب المادي الذي ظهرت حقيقته الخائبة في البلشفية. ذلك بتخريجة من قبيل: «إننا لم نر كفرا أقرب الى الإيمان من كفر هذا المفكر الجبار الثائر الذي ينادي بموت الله.» ويحسم الجدل ببراءة العمق الفلسفي لنيتشه من الجحود: «إن فلسفة لا تستنيم لفكرة الفناء ولا ترى في النهاية الا عودة الى بداية ليست بالفلسفة الجامدة.»
يظهر من المراسلات أن فارس كان يمنّي النفس بمقدمة لترجمته يكتبها أمين الريحاني. لم يحصل. ما يظهر أكثر، أن هناك فارقا بين نظرة كل من الريحاني وأنطون الى نيتشه وماركس كمفكرين غربيين متمرّدين كل في اتجاه، وبين نظرة فارس الأقرب الى فهم الأمور باستقطابية : فإما الماركسية، وإما النيتشوية. هذا طبعاً اذا ما نجحت مصالحة النيتشوية مع الدين، بالخطة التي يعرضها فارس لذلك! هل يمكن هنا إهمال الملاحظة التي يوردها عبود، وهي أن والد فارس نشر كتاب «صراخ المظلوم في بوق الحرية» وفيه «يحمل على اليهود»؟! وفارس من أب ماروني وأم فرنسية لأبيها، سويسرية لأمها، وعبود يخاطبه في رثائه له: «لا يعنيك ولا يعنيني إن كانت أم فليكس بروتستانتية وأبوه مارونيًّا، ولكن الذي يهمك أن تعلمه، ويهمني أنا خاصة هو أن فليكس «مطعَّم»؛ فأمه أجنبية لا أعرف جنسيتها بالضبط، وخاله كما أذكر رجل دين ذو شأن في ملته، وهو من رجال العلم والفكر.»
لحظة فليكس فارس في أواخر عصر النهضة العربية، هي اللحظة المنتقلة من التأثر بنيتشه عند جبران والريحاني وأنطون، الى التبشير به كمخلص لهذه النهضة من انسداد الأفق أمامها، هذا في مقابل مصالحة نيتشه بشكل أو بآخر مع الدين. ليست بلحظة يمكن إهمالها اذا ما أريد استيعاب مفارقات عصر النهضة المتأخر، أي العقود الأخيرة مما يسميه إلبرت حوراني «العصر الليبرالي» من الفكر العربي. فما يميز موقف فارس هو اقترابه من خطاب الاستعادة اليمينية لأثر نيتشه، الذي قاده مثلا آلان دو بونوا في فرنسا بالثمانينيات، هذا بعد تاريخ من التزاحم بين اليمين واليسار على نيتشه يظهره بشكل حذق الفرنسي بيار اندري تاغييف في كتابه «النيتشويون وأعداؤهم». بالضد من أي تأليف بين ماركس ونيتشه، نهض خطاب الاستعادة اليمينية الجديدة له على قاعدة أن ما يجمع ماركس ونيتشه هو فقط التمرد أمام الظلم الذي تجيء به الحداثة، ولكن في حين أن مصدر هذا الظلم هو انعدام المساوة في حال ماركس، فإن مصدرها هو تفشي المساواة في حال نيتشه! وتاغييف في كتابه هذا يعرض شطحات اليمين واليسار لتوظيف نيتشه ثم مقترحات لنزع الأدلجة عن تناول أعماله. في المقابل، عربياً، لحظة ما بعد اهتمام فليكس فارس بنيتشه، كانت تراجع محاولات اقامة الصلة الحميمة ولو الوهمية مع الفيلسوف الألماني، والاكتفاء بنقل ما ذاع من عناوين لكتب أعادت شرحه أو سعت لتوظيفه، مع غلبة للون الفرنسي اليساري، لنيتشه كما أعاد تركيبه جيل دولوز وميشال فوكو. فزمن عبود الذي يقارن فيه اهتمامه، وفارس، وصحبهم، بنيتشه في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي «بفراريج تحتك بديك الدهر» بات مفقوداً.
كاتب من لبنان
“القدس العربي”


























