جنبلاط يُعلن طلاقه مع 14 آذار عائداً الى "اليسار"
المضاعفات الطارئة تُهدد الاستحقاق الحكومي بجمود طويل
لم تقف الصدمة الضخمة التي فجرها خطاب "البوريفاج" لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط امس عند حدود الردّ الفوري واللاذع لـ"تيار المستقبل"، بل اتسعت لتقتحم على ما يبدو المنحى الذي تسلكه عملية تأليف الحكومة الجديدة، وهو أمر سيستتبع، الى تأخير اضافي في ولادتها، احتمال اعادة النظر في بعض الجوانب الجوهرية من تركيبتها.
فخطاب جنبلاط امام الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي اعتبره بعض اطراف الغالبية، في حدوده القصوى، طلاقا معلنا مع قوى 14 آذار وتحولا استراتيجيا في موقف احد اركانها الكبار يرتب على الاقل اياما لقراءة ابعاده وانعكاساته على المشهد السياسي، سواء بالنسبة الى فريق الغالبية أم بالنسبة الى سائر القوى في عزّ المخاض الحكومي.
واذ لم تخف آثار الصدمة التي احدثها موقف جنبلاط لدى حلفائه "القدامى" ذهب مصدر سياسي مطلع ومواكب لعملية تأليف الحكومة الى القول لـ"النهار" ان تداعيات الموقف الجنبلاطي التي طغت طغيانا تاماً على هذه العملية، قد تذهب بالاستحقاق الى اتجاه آخر. ولفت في هذا السياق الى تفكير جدي في امكان بداية البحث من جديد في حكومة تكنوقراط نظرا الى التعقيدات الطارئة والمفاجئة التي اضافها موقف جنبلاط الى المأزق الحكومي.
كما علمت "النهار" ان تداعيات هذا الموقف اثارت اشكالية جوهرية تداولها بعض المعنيين من حيث احتمال توظيف قوى معارضة موقف في الطعن في استمرار غطاء الاكثرية النيابية لرئيس الوزراء المكلف سعد الحريري في مهمته.
ذلك ان الانطباع الفوري الذي تداوله بعض الاوساط عن هذا الموقف هو ان كتلة "اللقاء الديموقراطي" وعددها 11 نائبا يمكن ان تخفض عدد نواب الاكثرية من 71 نائبا الى 60 اذا قرن جنبلاط موقفه بالخروج رسميا ونهائيا من فريق الغالبية، مما يرتب نشوء واقع مختلف تماما عن ذلك الذي كرسته الانتخابات النيابية. ولو ظلت الغالبية تتفوق على المعارضة التي لديها 57 نائبا.
لكن المعلومات التي توافرت لـ"النهار" من مصادر متطابقة افادت ان اتصالات ولقاءات عاجلة اجريت بعد ظهر امس ومساء بين الامانة العامة لقوى 14 آذار وبعض القريبين من جنبلاط الذين اكدوا انه "لن يترك 14 آذار"، كما اوضحوا ان ما تردد في الكواليس السياسية عن تقلص عدد نواب الغالبية الى 60 بفعل خروج نواب "اللقاء الديموقراطي" الـ11 هو "امر غير وارد اطلاقا"، ولن يمكن اي طرف تاليا ان يؤثر على شرعية تكليف الحريري ومضيه في تأليف الحكومة.
ومع ذلك، لم تقلل هذه الايضاحات والتطمينات شأن التداعيات السياسية لخطاب جنبلاط على مجمل الجهود الناشطة لانجاز الحكومة. وعلمت "النهار" في هذا الاطار ان اتصالا اجري امس بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري تمحور على عملية تأليف الحكومة. واكد متابعون للمشاورات الجارية انه لم تحصل اي تطورات ملموسة في شأن توزيع الحقائب حتى مساء امس. كما ان جهات مواكبة لتأليف الحكومة تخوفت من انعكاس مواقف جنبلاط على هذه العملية.
"المعقول واللامعقول"
وكان جنبلاط القى كلمة معدة ومسهبة امام نحو 477 حزبيا حضروا الجمعية العمومية الاستثنائية للحزب التقدمي الاشتراكي في فندق "بوريفاج"، كرس جانبا كبيرا منها لعرض تاريخي لمحطات الحزب منذ نشأته وصولا الى حقبة تحالفه مع قوى 14 آذار و"ثورة الاستقلال".
وعن هذه الحقبة قال: "ذهبنا الى المعقول والى اللامعقول ولكن قمنا بواجبنا في ما يتعلق بالمحكمة الدولية"، موضحا "اننا لا نريد المحكمة عنوانا للفوضى ولا ان تتحكم بالمحكمة دول او ربما جهات تأخذها الى غير محلها". وأضاف: "ذهبنا الى اللامعقول عندما التقينا المحافظين الجدد في واشنطن من أجل حماية ما يسمى ثورة السيادة والحرية والاستقلال"، ووصف هذا اللقاء بأنه "نقطة سوداء في تاريخ الحزب الناصع الابيض الساطع في وضوحه في ما يتعلق بنضاله الدائم مع القضية الفلسطينية والقضية العربية". وذهب الى اعتبار ان "شعارات السيادة والحرية والاستقلال دون مضمون عربي لا معنى لها بل تعيدنا الى لبنان الانتداب ولبنان ميشال شيحا ولبنان الانعزال لبنان اليمين". وشدد على أن "عهد الوصاية ولّى والجيش السوري انسحب فكفانا بكاء على الاطلال".
وكرر ان الانتخابات النيابية الاخيرة "أكدت اكثر من اي وقت مضى الفرز الطائفي في البلاد"، وقال "للذين فرحوا بالانتصار نرى أنها فرحة موقتة وهذا الانتصار لا معنى ولا قيمة له". ثم أعلن "أننا اذا تحالفنا في مرحلة معينة تحت شعار 14 آذار بحكم الضرورة الموضوعية فهذا لا يمكن ان يستمر وعلينا اعادة التفكير بتشكيلة جديدة أولا داخل الحزب وثانيا على الصعيد الوطني من أجل الخروج من هذا الانحياز والانجرار الى اليمين والعودة الى أصولنا وثوابتنا اليسارية".
وأوضح مصدر في الحزب التقدمي الاشتراكي لـ"النهار" ان مواقف جنبلاط جاءت استكمالا لمواقف سابقة وانها تتصل بالقراءة الشاملة التي أجراها الحزب للوضع الدولي والاقليمي وانعكاساته المحتملة على لبنان وهي تعكس عددا من المحطات السياسية التي مرّ بها الحزب طوال تاريخه. وقال ان الحزب ليس في وارد التنصل من تراثه وتاريخه الذي يبقى واقعا قائما ولا بد في النتيجة من ان يكون هناك هامش من المساحة السياسية لكي يعبر كل طرف عن موقفه من غير ان يعني ذلك محاولة اسقاط موقفه على الاطراف الاخرين سواء داخل 14 آذار او خارجها التي حققت القسم الاكبر من أهدافها وخصوصا في موضوع المحكمة وانسحاب الجيش السوري من لبنان واقامة العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق. واستغرب المصدر الضجة التي أثيرت حول مواقف جنبلاط "كأنه بات مطلوبا من كل حزب ان يتبرأ من تاريخه ودوره الوطني لمجرد ارضاء أطراف آخرين".
"المستقبل" و14 آذار
وفي رد ضمني على جنبلاط اكتسب دلالة مهمة، أصدر "تيار المستقبل" مساء بيانا أكد فيه "تمسكه بمبادىء ثورة الارز عموما وبذكرى 14 آذار خصوصا، كما أكد انه "لن يتغير وان لبنان اولا سيبقى شعاره". واذ أقر بأن "من حق اي فريق سياسي ان يختار الموقع الذي يناسبه" قال: "اذا أراد البعض أن يذكر بتاريخه فلا بأس شرط أن لا نعود الى التاريخ المعيب الذي كان فيه كثيرون شركاء في اعلاء مصالحهم الخاصة على مصلحة الوطن". وذكر بأن "قوى 14 آذار لم تكن يوما رافضة للآخر بل كانت قوى انفتاح تطالب بتطبيق الطائف والدستور وكانت السباقة دائما الى المبادرة الى ما فيه مصلحة لبنان العليا والدفاع عن العروبة وقضيتها المركزية فلسطين في وجه العدو الاسرائيلي".
وقال منسق الامانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد لـ"النهار": هناك اختلاف واضح ومن دون أي التباس في وجهات النظر بيننا وبين النائب جنبلاط. لا ننكر أياديه البيضاء في ثورة الارز وانتفاضة الاستقلال، وبحكم الصداقة والخبز والملح بيننا وبينه ودوره الرئيسي في ثورة الارز والاستقلال لن ننقاد الى الكلام الاعلامي والتشنج الكلامي". واضاف: "قراءتنا السياسية للمرحلة المقبلة تختلف تماما عن قراءة جنبلاط وهو في موقع سياسي يختلف عن موقعنا. وفي ما يتعلق بمستقبل حركة 14 آذار نؤكد أنها ستستمر في ثوابتها ومبادئها. وموقع جنبلاط يظل محفوظا كي يشغله ساعة يريد".
"النهار"




















